ثم أخبر عن خروج طالوت لقتال جالوت بقوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} [البقرة: 249] ، والإشارة فيها: {إِنَّ اللَّهَ} [البقرة: 249] ، تعالى ابتلى الخلق {مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: 249] ، الدنيا وماء زينتها وما زين للخلق فيها كقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} [آل عمران: 14] ، ليظهر المحسن من المسيء وليميز الخبيث من الطيب والمقبول من المردود كما قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7] ، ثم امتحنهم وقال تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} [البقرة: 249] ؛ يعني: من أوليائي ومحبي وطلابي وله اختصاص بقربى وقبولي والتخلق بأخلاقي نيل الكرامة مني كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"أنا من الله والمؤمنون مني" {إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة: 249] ؛ يعني: من قنع من متاع الدنيا على ما لا بد له من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار بمقدار القوام كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان يقول:"اللهم أرزق آل محمد قوتًا"أي: يمسك رمقهم.
ثم قال تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} [البقرة: 249] ؛ يعني: المبتلى {إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ} [البقرة: 249] ، وهم الأقلاء في كل عصر وزمان، الأعيان والأحساب، وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} [البقرة: 249] ، إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاوز بهم الدنيا إذا قال:"ما لي وللدنيا"والذين آمنوا معه كانوا يسيرون معه بسيرته كما قال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا} [الفتح: 29] ، وفي قوله تعالى: {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} [البقرة: 249] ، والإشارة إلى أن من شرب من نهر الدنيا وشهواتها وتجاوز عن حد الأمر فيها لا يكون له طاقة المنازلة لقتال جالوت النفس وجنوده صفاتها وعسكر هواها؛ لأنه صار معلولًا مريض القلب فيبقى على شط الدنيا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ} [البقرة: 249] ؛ أي: يستيقنون أنهم عند ملاقاة العدو، ملاقون لربهم وهو ناصر لهم على العدو ولهذا قال: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 249] ؛ أي: بنصره {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] ، بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند الملاقاة كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ} [النحل: 127] .
ثم أخبر عن بروز طالوت وقتل جالوت بقوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ} [البقرة: 250] ، الآيتين والإشارة فيهما أن المجاهدة في الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع جالوت النفس الأمارة لا يقوم بحوله وقوته على قتال النفس ولا يظهر عليها حتى يبرأ من حوله وقوته ويرجع إلى ربه تعالى مستغيثًا به مستعينًا به مستدعيًا منه {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} [البقرة: 250] ، على الائتمار لطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى وترك تيه الدنيا {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [البقرة: 250] ، في التسليم عند الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء وفي التوكل على الحالات عليك، وفي تفويض الأمور إليك والرضا بما في الكتاب المسطور لربك {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] ، وهم أعداؤنا في الدين عمومًا والنفس الأمارة وصفاتها التي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصًا فإذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الأرض والسماء فيكون مقرونًا بالإجابة الدعاء والظفر على الأعداء عند اللقاء.