فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 1648

ثم أخبر عن آيات استحقاق ملكية طالوت في إتيانه التابوت بقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 248] ، والإشارة فيها أن آية تلك الخلافة للعبد أن يظفر بتابوت قلبه فيه سكينة من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله كقوله تعالى: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ} [الرعد: 28] ، وقوله تعالى: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ؛ أي: بازدياد الإيمان مع الإيمان وهي السكينة لقوله تعالى: {هُوَ ِالَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] ، {وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [البقرة: 248] ، وهو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي كلمة التقوى وهي الثعبان الذي إذا قرعت فإنها تلقف سحر عظيم السحرة صفات فرعون النفس، فإن الله جعل سكينة بني إسرائيل تعينهم في تابوت السماء وهو عصا موسى، فقد جعل سكينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته عصا الذكر وكلمته في تابوت القلوب.

كما قال تعالى: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 26] ، وألزمهم كلمة التقوى ثم شرفهم بتخصيص هذه الكرامة على سائر الأمم وقال تعالى: {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} [الفتح: 26] وإن تابوتهم الذي كانت سكينتهم فيه تتداوله الأيدي من الأعداء وغيرهم فمرة كان يدنس وتارة كان يغلب عليه فيحمل ويوضع على الصنم أما تابوت قلوب المؤمنين خالٍ بين أربابها وبينها ولم يستودعها ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا وأودعها بين أصبعي جلاله وجماله كما قال صلى الله عليه وسلم:"قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن"فشتان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليهم تسلط وبين أمة سكينتهم فيما ليس للأولياء ولا للأنبياء عليه تسلط وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر"وإن كان في تاوبتهم رضاض ألواح كتبت عليه التوراة فالله تعالى كتب في قلوبهم الإيمان، وإن كان في ذلك التابوت بعض التوراة موضوعًا ففي تابوت قلوبهم هذه الأمة جميع القرآن محفوظًا، وإن كان في تابوت بيوت فيها صور الأنبياء ففي تابوت قلوبهم خلوات لا يسع فيها معهم غير الله كما قال تعالى:"لا تسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن"فإذا تيسر لطالوت روح الإنساني أن يؤتى تابوت القلوب الرباني فسلم إليه ملك الخلافة وسرير السلطان واستوثق عليه جميع أسباط الإنساني فلا يركن إلى الدنيا الغدارة المكارة بل يتهجر منها ويبرز لقتال جالوت النفس الأمارة {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 248] ، الإشارة {لآيَةً لَّكُمْ} [البقرة: 248] لنبينها لكم وأعلامًا عن أحوالكم: {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 248] ، بحقائق القرآن وإشاراته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت