ثم قال تعالى: {إِن تُبْدُواْ خَيْرًا} [النساء: 149] ؛ يعني: مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيهًا للخلق وأفادت بالحق، {أَوْ تُخْفُوهُ} [النساء: 149] صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب، وفطامها من المشارب، {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ} [النساء: 149] مما يدعوكم إليه سوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل إظهاره سوء، فإن الله عفو، فتكون عفوًا متخلقًا بأخلاقه متصفًا بصفاته، وأيضًا {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ} [النساء: 149] في الأزل، {عَفُوًّا} [النساء: 149] عنك بأن لم يجعلك من المخذولين حتى صرت عفوًا عما سواه، وكان هو {قَدِيرًا} [النساء: 149] على خذلانكم حتى لا يقدر على أن يعفوا عن مثقال ذرة لكفرانك، {إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] .
ثم أخبر عن لوم الإحسان وكفرانه، وعن كرم الحق وغفرانه بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 150] ، إشارة فيها: إن الذين يكفرون بالله ورسله ومنها {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} [النساء: 150] ، ومنها {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا} [النساء: 150] ؛ يعني: بين أنهم يؤمنون ببعض من الكتب والرسل ويكفرون ببعض، فيضعون ذنبًا ومذهبًا يضلون به الخلق عن الصراط المستقيم والدين القويم، فلما ازدادوا كفر وضلالة حتى آل أمرهم في الكفر إلى أن يصنعوا ذنبًا في الضلال؛ ليضلوا الناس به عن طريق الحق، وصار كفرهم حقيقيًا فسماهم الله في الكفر حقًا، وقال تعالى: {َأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151] ؛ يعني: الذين أخطأهم النور عند الرشاش على الأرواح، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} [النساء: 151] ، في يوم رش النور {عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 151] ؛ لحرمانهم عن تلك السعادة إذا كرم المؤمنين بإصابة ذلك النور، وأهين الكافرين بحرمانهم عنهم، وفي الآية دلالة على أن الإيمان لا يتجزأ ولا ينقسم وإن كان يزيد وينقص؛ لأنه لو كان متجزئًا لكان من يؤمن بالله وببعض الكتب والرسل جزء من الإيمان، فلما لم يكن لهم من الإيمان شيء علمنا إنه لا يتجزأ ولا ينقسم وإن كان يزيد وينقص فحسب، مثل نور الشمس وضياؤه إذا دخل البيت من كوة فيزيد وينقص بحسب زيادة الكوة ونقصانها، ولكن لا يمكن تجزئتها البتة بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذي الشمس، والآية تدل على أن الإيمان لا يحصل بزعم المرء وحسبانه وإنما يحصل بحصول شرائط نتائجه منه.