ثم استثنى منهم قومًا بقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء: 90] ؛ المعنى: الأقوام من أهل الدنيا يصلون بالإرادة والتقرب والتودد إلى قوم من أهل الدين من الذين بينكم وبينهم عهد وأخوة وصداقة في الدين أو في الحرفة والصحبة، فإن المخالطة معهم بتبعية الأحوال وقبول الرفق منهم جائز، ثم قال تعالى: {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 90] ؛ يعني: إذ جاؤوكم طائفة أخرى من أهل الدنيا، وما فيهم أن ينكروكم ويجادلوكم على ما أنتم فيه، {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} [النساء: 90] بالإنكار والاعتراض، {فَلَقَاتَلُوكُمْ} [النساء: 90] ؛ أي: فنازعوكم وخاصموكم بالباطل، {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ} [النساء: 90] ؛ أي: اعتزلوا شرهم عنكم، {فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} [النساء: 90] ؛ أي: يخاصموكم ولا يشوشون الوقت عليكم، {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 90] ؛ أي: السلامة، {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: 90] في غيبتهم والطعن فيهم وتحقيرهم؛ يعني: إذا أسلمتم منهم فينبغي أنهم يسلمون منكم، فإن لمم تكونوا لهم فلا تكونوا عليهم، كما لم يكونوا عليكم إذا لم يكونوا لكم.
ثم أخبر عن محنة أهل الفتنة بقوله تعالى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} [النساء: 91] ، والإشارة فيها: إنكم أصحاب الولاية وأرباب الهداية، ستجدون من أهل الإرادة أخرى غير أصحاب الجد والاجتهاد يريدون أن يأمنوكم عن رد الولاية فيرتدون إليكم ويخدمونكم، ويظهرون الصدق والإخلاص معكم، وهو أصحاب الأموال والأولاد والقوم والقبيلة، {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} [النساء: 91] عن الملامة والتعبير في تضييع الأموال والأولاد، {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنِةِ} [النساء: 91] ؛ أي: دعوا إلى الفتنة وهي الأموال والأولاد، ويدل عليه قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] فإنهم أمروا بالحذر منهم، {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} [النساء: 91] ؛ أي: رجعوا إليها ضعفاء في الطلب وفرقًا من الملامة، {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} [النساء: 91] ؛ أي: ينقطعوا عنكم ويترددون إليكم بصدق الإرادة {وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 91] ؛ أي: يستسلموا لكم وينقادوا، {وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ} [النساء: 91] بالإرادة عن أموالهم وأولادهم، {فَخُذُوهُمْ} [النساء: 91] ، بالإرادة وأقبلوا عليهم بالتربية، {وَاقْتُلُوهُمْ} [النساء: 91] ، أي: اقتلوا أنفسهم بالمجاهدة والرياضة وصمام الولاية، {حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [النساء: 91] ؛ يعني: سويتم عوجهم كما يقوم الرياح بالثقاف، {وَأُولَئِكُمْ} [النساء: 91] ؛ يعني: أهل الإرادة؛ يعني: إذا كونوا ذوي العلائق كثير العوائق، {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} [النساء: 91] في قطع علائقهم ودفع عوائقهم بحسن التربية وسطوة الولاية.