فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 1648

ثم أخبر أن آجالهم تدرك آمالهم بقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ} [النساء: 78] ، إشارة في الآيتين: إن يا أهل البطالة في زي الطلبة والبطلة الذين غلب عليكم الهوى وحب الدنيا فأقعدكم عن طلب المولى، ثم {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [التوبة: 38] واطمأننتم بها، {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ} [النساء: 78] اضطرارًا إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختيارًا، {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] أجساد مجسمة قوية أمزجتها، {وَإِن تُصِبْهُمْ} [النساء: 78] ؛ يعني: أهل البطالة من مدعي الطلب، {حَسَنَةٌ} [النساء: 78] ، من شواهد الغيب وفتوحاته، {يَقُولُواْ هَذِهِ} [النساء: 78] الفتوحات {مِنْ عِندِ اللَّهِ} [النساء: 78] ، لا يرون للشيخ فيها عليهم حقًا، {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} [النساء: 78] من الرياضة والمجاهدات، {يَقُولُواْ} [النساء: 78] للشيخ، {هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} [النساء: 78] ؛ أي: بسببك وسعيك، {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} [النساء: 78] ، القبض والبسط، والفرح والشرح، والفتوح والجروح، {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] ، خاصته هذا الحديث وما يقاسي أهله من الشدائد والمحن حتى أورثتهم الفوائد والمنح.

{مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} [النساء: 79] فتوح وموهبة {فَمِنَ اللَّهِ} [النساء: 79] ؛ أي: فمن مواهبه فضلًا وكرمًا، وإن كان يتصرف الشيخ وقوة ولايته وتأثير همته فيك، {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ} [النساء: 79] شدة وبلاء وهم وعناء {فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ؛ أي: من صفات نفسك وخاصية أمارتها بالسوء وشوب معاملاتها بالهوى، وسعيها واكتسابها في طلب شهوات الدنيا ولذاتها، كقوله تعالى: {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] .

ثم اعلم أن الأعمال أربع مراتب: منها: مرتبتان لله تعالى وليس للعبد فيها مدخل التقدير والخلق، وإن الله تعالى قدر الأشياء قبل خلقها، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى فرغ من الخلق والخلق والرزق والأجل"؛ يعني: قدَّر هذه الأشياء وفرغ من تقديرها؛ لأنه يخلق كل يوم وساعة ولحظة {خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] ، كيف فرغ من الخلق؟ فافهم جيدًا.

ومنها: مرتبتان للعبد وليس لله فيها مدخل وهما: الكسب والفعل، فإن الله تعالى منزه عن الكسب والفعل بالسببية، وإنهما يتعلقان بالعبد؛ ولكن العبد وفعله وكسبه مخلوقة خلقها الله تعالى، كما قال عز وجل: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] ، فهذا لتحقيق قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} خلقًا وتقديرًا، لا كسبًا وفعلًا، فافهم واعتقد، فإنه مذهب أهل الحق وأرباب الحقيقة، ويشير بقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [النساء: 79] ؛ أي: للناس الذين نسوا الله ونسوا ما شاهدوا منه وعاهدوا عليه الله، {وَأَرْسَلْنَاكَ} [النساء: 79] رسولًا إليهم؛ لتبلغهم كلامنا، وتذكرهم أيامنا، وتجددهم عهودنا ترغبهم شهودنا، وتدعوهم إلينا وتهديهم إلى صراطنا، وتكون لهم {وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب: 46] ، يهتدون ويبتغون خطاك إلى أن توصلهم إلى الدرجات العلا وتنزلهم في المقصد الأعلى {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 79] ؛ أي: شاهدًا لأحبابه وأوليائه؛ لئلا يكتفوا براحة دون لقائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت