فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 1648

ثم أخبر عن أهل الغلو وهم أهل السلو بقوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] ، الإشارة أن الغلو والمبالغة في الدين والمذهب حتى يجاوز حدًا غير مرضٍ، كما أن كثير من هذه الأمة غلوًا في مذهبهم، فمن ذلك مذهب الغلاة من الشيعة على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حتى ادعوا بإلهيته فقال: الشاعر فيهم:

قوم غلوا في علي لا أبالهم ... واجتثموا أنفًا في عبده نصبًا

قالوا هل الله جل خالقنا ... عن أن يكون بشيء أو يكون أبا

وكذلك المعتزلة غلوا في التنزيه حتى نفوا صفات الله، وكذلك المشبهة غلوا حتى في إثبات الصفات حتى جسموه، {وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 43] ولدفع الغلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تطروني كما أطرت التصارى عيسى ابن مريم"، فقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} [النساء: 171] ، وذلك لأن الغلو من العصبية وهي من صفات النفس المذمومة، والنفس هي أمارة بالسوء ولا تأمر إلا بالباطل، والإشارة في قوله تعالى: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] ، إلى ألاَّ تتكلموا في الدين بأمر النفس؛ لأنها لا تأمركم بالقول الحق، {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 171] إلا بأمر القلب، لأنه بين أصبعين من أصابع الرحمن، فلا يأمر إلا بالقول الحق، {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ} [النساء: 171] لا ابن الله وهذا هو القول الحق، وكذلك ما قاله عيسى عليه السلام: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم: 30] ، وفي قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171] ، إشارة إلى أن عيسى عليه السلام كان يكلمه الله تعالى، وهي قوله: {كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] ، بكلمته من غير واسطة أب، فإن تكوين الخلق كلمة بكلمة كن، ولكن بالوسائط بأن يتعلق كن بتكوين الأبناء، فلما كان تعلق أمر كن بعيسى عليه السلام في رحم مريم من غير تعلقه بتكوين أب له فتكون عيسى عليه السلام بأمركن وكن هي كلمة الله، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء: 171] ، يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ} [آل عمران: 59] ؛ يعني: في التكوين، {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} [آل عمران: 59] ؛ يعني: سوى جسمه من تراب، ثم قال له؛ يعني: عند بعث روحه إلى القلب {كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] ، وإنما ضرب مثله بآدم في التكوين؛ لأنه أيضًا تكون بكلمة من غير واسطة أب، وشرف الروح على الأشياء بأنه أيضًا تكون بأمر كن بلا واسطة شيء آخر، فلما تكون بأمر كن يكون كن سمي روح منه؛ لأن الأمر منه كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت