ثم أخبر عن رعاية المحدودات أنها أيام معدودات بقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] ، والإشارة أن المداومة على الذكر والملازمة على العبودية في أيام معدودات العمر المختصر من البداية إلى النهاية بجميع أجزاء الوجود مندوب إليه في الشريعة، وأمر واجب لأرباب الطريقة، كما نقل عن بعضهم وقد سئل عن مدة هذا العمر؟ فقال: من المهد إلى اللحد، ولو شئت لقلت: من الأزل إلى الأبد، وهذا مما لا يفهم بهذه العقول المدنسة بالفضول، وقال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] ؛ أي: الموت {فَمَن تَعَجَّلَ} [البقرة: 203] ؛ يعني: من أرباب السلوك وأصحاب القلب {فِي يَوْمَيْنِ} [البقرة: 203] ؛ يعني يوم البداية ويوم النهاية، أو يوم الطلب ويوم الوصول بازدياد في الأوراد وجد في الاجتهاد، وتأخر هاتين الحالتين عن بعض المجاهدات، أو يرفق بالنفس في شيء من المباحات {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203] ؛ أي: لمن كان ثابتًا في التقوى راسخًا في الاستقامة مع المولى {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 203] ، في جميع الأحوال بتزكية النفوس وتنقية القلوب، وحفظ الأعمال {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203] ؛ يعني: إن لم ترجعوا بالاختيار تحشرون إليه بالاضطرار.
ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204] إلى قوله: {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206] ، والإشارة فيها أن قومًا أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان وتقريرًا في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى} [البقرة: 204 - 205] ؛ أي: وجد التمكن والولاية {سَعَى فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 205] ؛ يعني: في أرض القلب {لِيُفْسِدَ فِيِهَا} [البقرة: 205] ، يخربها {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ} [البقرة: 205] ، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق {وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205] ، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال السريدة {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة: 205] ، بالأقوال الكاذبة.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} [البقرة: 206] ، يعني لأرباب النفوس من أهل الكبر والأنفة {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} [البقرة: 206] ، ثم سمحت أرواحهم عن قبول الحق وتمادت نفوسهم بالباطل، ولو ساعدت العناية وأدركتهم العاطفة؛ لتقلدوا المنن لمن هداهم إلى الجنة ونبههم عن نوم الغفلة، وولتهم على طريق الوصلة، ولكن من رزق العناد زال عن منهج السداد وضل عن سبيل الرشاد {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206] أي: حسبه جنهم الغرور والتكبر، فإنها دركة من دركات نار القطيعة في الحال {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} ، والمرجع في المآل.