ثم أخبر عن معاملة أهل الوداد من العباد بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] .
والإشارة أن الخواص من أولياء الله منهم لمن يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله كما أن الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] .
والفرق بين الفريقين أن الله اشترى من المؤمنين أيام الميثاق من غير اختيارهم، فكان ثمن نفس المؤمن الجنة أما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم أنفسهم في هذا العالم فكان ثمن الأولياء مرضات الله، {وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} يعني: الفريقين فلرأفته بالمؤمنين اشترى الأمارة بالسوء مع غب الظلومي والجهولي بثمن الجنة، والنعيم المقيم، ولعاطفته بالأولياء وفقهم لشري أنفسهم بغير حظ من حظوظها؛ بل خالصًا لوجه الله ابتغااء مرضاته.
ثم أخبر عن المدخول في الإسلام بقوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] ، معنى عامًا، ومعنى خاصًا؛ فأما المعنى العام مع جميع من آمن في الظاهر ادخلوا في جميع شرائط الإسلام في الباطن كما دخلتهم في شرائعه في الظاهر من شرائطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"المسلم من سَلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمن الناس بوائقه".
وأما المعنى الخاص كخطاب حاضر مع شخص الإنسان، وجميع أجزائه الظاهر كما أن لسانه دخل في الإسلام بالقول، فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام بالفعل، فالعين بالنظر، والأذن بالسمع، والفم بالأكل، والفرج بالشهوة، واليد بالبطش، والرجل بالمشي، ودخول كل واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لأوامر الله تعالى، ويجتنب من نواهيه بترك ما لا يعنيه أصلًا، ويقع على ما لابد له منه، ودخول أجزاء الظاهر في شرائع الإسلام ميسر للمنافق، فإنا إدخال معاني الباطن في شرائط الإسلام وحقائقه، فعريكة إيصال الدين، ومزلة الرجال البالغين، فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفار صفاتها الذميمة، وعبورها عن طبعها في إيقاع الهوى، وترك مألوفاتها، ومستحسناتها، ومستلذاتها، ونورها بنور الإسلام، وتتبع أحكامه، واطمئنانها بالعبودية؛ لتستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 - 30] ، دخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس وخساسة أوصاف الحيوان، وتحليته بشمائل أخلاق الروح، ونفاسه أوصاف الملك، ودخول أنوار الإيمان بكتابه الحق فيه، وتأييده بروح منه كقوله تعالى: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] ، ففي الحقيقة لا يدخل القلب في الإسلام ما لم يدخل الإيمان في القلب لقوله تعالى: