ثم أخبر بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لأَدَمَ} [البقرة: 34] ، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله {اسْجُدُوا} ثلاثة معان:
أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية {اسْجُدُوا لأَدَمَ} [البقرة: 34] ، خلافًا للطبيعة بل تعبدوا رقًا وانقيادًا للأمر وامتثالًا للحكم.
والثاني: {اسْجُدُوا لأَدَمَ} [البقرة: 34] ، تعظيمًا لشأن خلافته وتكريمًا لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبة صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] .
والثالث: {اسْجُدُوا لأَدَمَ} [البقرة: 34] ، أي لأجل آدم عليه السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، وفائدتها على الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين.
أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس، ويكون مقبولًا ممدوحًا مكرمًا كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ لقوله تعالى: {لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] ، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: {وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 5] ، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفر لهم {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم:"خلقت الملائكة من نور"والنور من شأنه الانقياد والطاعة، {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى} سجد وأبى لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعًا {وَكَانَ مِنَ ِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] ، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ولهذا أيضًا سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر.
ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: {وَقُلْنَا يَآ آدَمُ اسْكُنْأَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35] ، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: {يَآ آدَمُ اسْكُنْأَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك الجنة، فأسكنا في الجنة {وَكُلاَ مِنْهَا} [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها {رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] ، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] ، تقربًا التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا {فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] ، فلما قبلتما قولي وما أفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولًا بأنه لا يعلم أن ظلمة عائد إلى نفسه، كما قال تعالى: