فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 1648

ثم أخبر عمن يسلم إذا ألقى السلم بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 94] ، والإشارة فيها إلى البالغين الواصلين بالسير إلى الله تعالى؛ أي: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 94] ، وما قنعوا على مجرد الإيمان بالغيب، {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 94] ؛ يعني: بل سرتم بقدم السلوك في طلب الحق، حتى صار الإيمان إيقانًا، والإيقان إحسانًا، والإحسان عيانًا، والعيان غيبًا، وصار الغيب شهادة، والشهادة شهودًا، والشهود شاهدًا، والشاهد مشهودًا، وبهما اقسم الله تعالى بقوله {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3] ، فافهم جيدًا، وهذا مقام الشيخوخة {فَتَبَيَّنُواْ} [النساء: 94] عن حال المريدين وتثبتوا في الرد والقبول، وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء: 94] ، وألقي إليكم السلام بالانقياد والاستسلام، فلا تقولوا: ألست مؤمنًا؟ أي: صادقًا مصدقًا في التسليم لأحكام الصحبة، وقبول التصرف في المال والنفس بشرط الطريقة، ولا تردوه ولا تنفروه بمثل هذه الشدائد، وقوله كما أمر الله موسى وهارون عليهما السلام {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا} [طه: 44] ، فما أنتم أعز من الأنبياء، ولا المريد المبتدئ أذل من فرعون، ولا يهونكم أمر رزقه فتجتنبون منه للتخفيف، وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 94] ، فلا تهتموا لأجل الرزق {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94] ، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3] ، {كَذلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ} [النساء: 94] ؛ أي: كذلك كنتم ضعفاء بالصدق والمطلب محتاجين إلى الصحبة والتربية والإرادة من قبل، {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94] بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم والإقبال على تربيتكم وإيصال رزقكم إليهم وشفقتهم وعطفهم عليكم، {فَتَبَيَّنُواْ} [النساء: 94] ، أن تردوا صادقًا اهتمامًا لرزقه، وتقبلوا كاذبًا حرصًا على كثير المريدين، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ} [النساء: 94] في الأزل، {بِمَا تَعْمَلُونَ} [النساء: 94] اليوم من الرد والقبول والاحتياج إلى الرزق تهتمون له، {خَبِيرًا} [النساء: 94] ، فدبر الأمور وقدرها في الأزل وفرغ منها، كما قال: صلى الله عليه وسلم"إن الله تعالى فرغ من الخلق والخلق والرزق والأجل".

وقال صلى الله عليه وسلم:"الضيف إذا نزل، نزل برزقه، وإذا ارتحل، ارتحل بذنوب مضيفه".

ثم أخبر عن فضل المؤمن المجاهد على المؤمن القاعد بقوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] إلى قوله: {غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 96] .

والإشارة فيها: ألاَّ يستوي القاعدون عن طلب الحق، وإن كانوا أولي العذر من المؤمنين العالمين المتقين، {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 95] في طلب الحق القائمون في أداء حقوق الطلب، {بِأَمْوَالِهِمْ} [النساء: 95] ؛ أي: بترك الدنيا {وَأَنْفُسِهِمْ} [النساء: 95] ؛ أي: ببذل الوجود في طلب المعبود، {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] ، غير بالرفع صفة المجاهدين؛ يعني: في الله حق جهاده ولا يرون ضرر الجهاد وضررًا على أنفسهم من بذل المال والأنفس، يدل عليه قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت