فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 1648

وفي قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ} [النساء: 92] ، إشارة أخرى؛ وهي أن تربية النفس وتزكيتها ببذل المال وترك الدنيا مقدمة على تربيتها بالجوع والعطش وسائر المجاهدات، فإن:"حب الدنيا رأس كل خطيئة"، وهو عقبة لا يقتحمها إلا الفحول من الرجال، كقوله تعالى: {فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 11 - 13] ، وإن أول قدم السالك أن يخرج من الدنيا وما فيها، وثانية أن يخرج من النفس وصفاتها، كما قال: دع نفسك وتعالى، وقال تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 149] ، وفي قوله: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ} [النساء: 92] ، إشارة إلى: إن الإمساك عن المشارب كلها من الدنيا والآخرة على الدوام، وهي جذبة من الله تعالى {وَكَانَ اللَّهُ} [النساء: 92] في الأزل {عَلِيمًا} [النساء: 92] بمن يصلح لهذه الجذبة، {حَكِيمًا} [النساء: 92] فيما اختارها يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ثم أخبر عن قصد قتل المؤمن بالعمل بقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} [النساء: 93] ، والإشارة فيها: إن القلب مؤمن من أصل الفطرة، والنفس كافرة في أصل الخلقة، وبينهما عداوة جبلية وقتال أصلية وتضاد كلية، فإن في حياة النفس موت القلب، وفي حياة القلب موت النفس، فلما كان نفوس الكفار حية كانت قلوبهم ميتة، فسماهم الله تعالى الموتى، كما قال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، ولما كانت نفس الصديق رضي الله عنه ميتة وقلبه حيًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر رضي الله عنه"، فالإشارة في قوله تعالى {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} [النساء: 93] ؛ أي: القلب والنفس؛ يعني: النفس الكافرة إذا قتلت قلبًا مؤمنًا متعمدًا للعداوة الأصلية باستيلاء صفاتها البهيمية والسبعية والشيطانية على القلب الروحاني، وغلبت هواها عليه حتى يموت القلب، فإنها سمها القاتل، {فَجَزَآؤُهُ} [النساء: 93] ؛ أي: جزاء النفس {جَهَنَّمُ} [النساء: 93] ؛ وهي سفل عالم الطبيعة، {خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] ؛ لأن خروج النفس عن سفل الطبيعة إنما كان بحبل الشريعة، والتمسك بحبل الشريعة إنما كان من خصائص القلب المؤمن بالله، كقوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [التين: 5 - 6] ، فالإيمان والعمل الصالح من شأن القلب وصنيعته، فإذا مات القلب وانقطع عمله تخلد النفس في جهنم سفل الطبيعة أبدًا، {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 93] ، بأن يبعدها ويطردها عن الحضرة والقربة، ويحرمها عن إيصال الخير والرحمة إليها بخطاب {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] ، {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] ، عن حضرة العلي العظيم والحرمات عن جنات النعيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت