{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [المجادلة: 7] يعني: يعلم ما في قوى الروحانية والجسمانية والاستعدادات العلوية والسفلية التي هي ودائعه، وهو بيده خمرها في طينة، ونفخ فيها من روحه {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ} [المجادلة: 7] أي: نجوى قوة معدنية ونباتية وحيوانية وسفلية أرضية، ومن نجوى قوة جنية وملكية وعقلية علوية سماوية {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] يعني: بالنقطة الحكمية المتفننة يتم أمر نجوى النقطات الثلاث العلمية والإرادية والقدرية {وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] يعني: ولا نجوى حواسهم الخمسة إلا هو سادسهم بالإظهار، وهذا سر عظيم أشير إليه إن كنت حديد السمع شهيد القلب تفطن له إن شاء الله تعالى.
اعلم أن الله خلق الحواس الخمسة؛ لأن تكون الآت الإدراك ونفس الإدراك يتعلق به فكيف يمكن المستعملة حركة من غير شعور المستعمل لها بها، والمبالغة في الكشف في هذا المقام يقرع باب مطلع القرآن فسددناه {وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ} [المجادلة: 7] هذه إشارة إلى نظرة وجودية إلى الأشياء إن كانت الوسائط أكثر والروابط أدنى من الثلاثة والخمسة هو معهم أينما كانوا، وسر هذا لا يعرف إلا بعد معرفة الذات الواحد، ثم معرفة الواحدة في الكثرة مقدسة عن الحلول والاتحاد والأثقال من حيث الصورة والانفعال من حيث الحقيقة منزهة عن أن يكون لها مثل وشريك بل أقول: ولا أخاف من جحود الأوداء وإنكار الأخلاء، قول الحق هو: الحق وما تدعون من دونه هو الباطل: والباطل معدوم، والمعدوم ليس شيء، وحق ما قال جنيد البغدادي - قدس الله سره - ليس في الوجود إلا الله، وهو الوجود المحض تعالى الله عما يصفه الظالمون علوًا كبيرًا {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [المجادلة: 7] يعني: يوم يكشف الغطاء عنهم الغطاء القالبي يجرهم، ولكنهم موتى في قبور قوالبهم لا يسمعون، كما يقول اللطيفة الخفية: و {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] دعهم حتى أجزهم يوم النشور يعلمون في ذلك اليوم {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] ويستحيون من أعمالهم من اطلاعنا على أحوالهم حتى يعرفوا في عرف خجالتهم، ولا ينفعهم الخجالة بعد كشف الحجاب، وانتزاع الآلات، والأدوات وسد باب التوبة، والإنابة إلى رب الأرباب {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى} [المجادلة: 8] النجوى يعني: ألم ترى إلى القوة السرية الجاحدة، والقوة النفسية المنافقة الذين يتناجون، ويستهزئون بالقوى المؤمنة ويتغامزون بأعينهم، فأمرناهم بترك النجوى بما تركوا {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ} [المجادلة: 8] أي: بالكفر الوارد {وَالْعُدْوَانِ} [المجادلة: 8] أي: معاداة القوى المؤمنة {وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} [المجادلة: 8] أي: معصية أمر اللطيفة الخفية {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} [المجادلة: 8] يعني: القوى السرية الجاحدة والنفسية المنافقة يسلمون عليك من حيث باطنهم وإظمارهم إن رعاهم وإضمارهم إن رعاهم لك نصرك {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8] يعني: يمنحونك بهذا الدعاء عليك لو كنت مرسلًا من عند ربك للحقهم العذاب، ولا يعلمون أن الله يمهلهم؛ ليزدادوا في جميع حطب الخواطر الردية وإشعال نيران الحسد والحقد والبغض والكبر؛ ليعذبهم عذابًا شديدًا {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8] يعني: حسبهم جهنم قالبهم.