فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 1648

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ} [الأنفال: 1] إلى قوله: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4] يشير إلى أن كثرة السؤال توجب الهلاك، ولهذا"نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"فلما أكثروا السؤال، قال صلى الله عليه وسلم:"ذروني ما تركتكم، فإنه أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم عن أنبيائهم"ومن كثرة سؤالهم قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ} وإنما سألوه لتكون الأنفال لهم فقال على خلاف ما تمنوا.

{قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1] يعملا فيها ما شاءا لا كما شئتم؛ لتتأدبوا ولا تعترضوا على الله والرسول بطريق السؤال، وتكونوا مستسلمين لأحكامهما في دينكم ودنياكم، وترحصوا على الدنيا؛ لئلا تشوبوا أعمالكم الدينية بالأعراض الدنيوية {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] أي اتقوا بالله عن غير الله وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الرديئة والهمم الدنيئة، وهي الحرص على الدنيا والحسد على الإخوان وغيرهما من الصفات الذميمة التي يحجب بها نور الإيمان عن القرب {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 1] بالتسليم لأحكامهما والائتمار بأوامرهما والانتهاء عن نهواهيهما {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] تحقيقًا لا تقليدًا، فإن المؤمن الحقيقي هو الذي كتب الله بقلم العناية في قلبه الإيمان وأيده بروح منه فهو على نور من ربه.

كما وصفه الله تعالى بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] فإن دخل القلوب عند سماع ذكر الله من خصوصيته النور المنبسط فيه؛ لأنه من شأن نور الإيمان أن ينقي القلب ويصفيه عن كدورات صفات النفس وظلماتها، ويلين قسوته فيلين إلى ذكر الله فيجد شوقًا إلى الله، وهذا حال أهل البدايات، وأمَّا أهل النهايات الطمأنينة والسكون بالذكر؛ لقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] .

وقال صلى الله عليه وسلم:"أحب القلوب إلى الله أصلبها في دين الله، وأصفاها عن الذنوب، وأرقها على الإخوان"ولمَّا جاء قوم حديثو العهد بالإسلام فسمعوا القرآن كانوا يبكون ويتأوهون فقال أبو بكر رضي الله عنه: هكذا كنا في بداية الإسلام، ثم قست قلوبنا.

{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] فجعل من شرط الإيمان الحاصل في القلوب: ازدياده عند سماع القرآن وتلاوته، وذكر الله وطاعته وعبادته؛ وذلك لأن الإيمان الحقيقي هو النور الواقع في القلوب بعد انفتاح روزنة القلوب من أنوار تجلي شموس صفات مالك يوم الدين للقلوب المشتاقة، فتكون وجوه القلوب النافرة من دنس حب الدنيا بذلك النور إلى ربها وحبيبها ناظرة، فلمَّا تليت على أصحابها الآيات، أو تلوها، أو ذكروا بالله، أو ذكروه، أو عملوا عملًا صالحًا زاد انفتاح روزنتها بقدر صدقها وشوقها، فيزيد فيها نور الإيمان فيزدادون إيمانًا مع إيمانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت