{وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] يعني: فحينئذ على ربهم يتوكلون لا على الدنيا وأهلها، فإن من شاهد نور الإيمان جمال الحق وجلاله، فقد استغرق في بحر لجي من شهود الحق بحيث لا مستغرق لغيره، ويرى الأشياء مضمحلة تحت سطوات جلاله فيكون تولكه عليه لا على غيره.
ومن صفاتهم أنهم {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} [الأنفال: 3] أي: يديمونها بملازمة العبودية ظاهرًا وباطنًا، ولا يشتغلون بطلب الدنيا وإن كانت حاجتهم، قائمة بها لإدامة الصلاة، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الأنفال: 3] أي: ومما أعطيناهم من غير طلبهم يصرفون في مصالح الدين وحراثة الآخرة وتقربًا إلى الله تعالى، {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 4] لاستكمال شرائط الإيمان فيهم بالتحقيق لا بالتقليد، ووقوع نور الحق في قلوبهم، وتهون ظلمة الباطل عنها، {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 4] على قدر استعلاء ذلك النور وتمكنهم في مقام العندية، {وَمَغْفِرَةٌ} [الأنفال: 4] أي: عطف من عواطفه يستر بنوره ظلمة وجودهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4] أي: عطاء كريم يناسب كرمه.
ثم أخبر عن تحقيق هذا لنبيه بقوله تعالى: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} [الأنفال: 5] إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10] الإشارة فيها أنه تعالى أخرج المؤمنين الذين هم المؤمنون حقًا عن أوطان البشرية إلى مقام العندية بجذبات العناية، {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ} [الأنفال: 5] أي: من وطن وجودك {بِالْحَقِّ} أي: بمجيء الحق من تجلي صفات جماله وجلاله.
{وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 5] أي: القلب والروح، {لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] يعني: للفناء من التجلي، فإن البقاء محبوب والفناء مكروه على كل ذي جود.