{فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 251] ، بنصرة الله فإنه هو الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده {وَقَتَلَ دَاوُدُ} [البقرة: 251] ، القلب {جَالُوتَ} [البقرة: 251] ، النفس إذ أخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الميل إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى، حتى صار الثلاثة صحراء واحدة وهو التفات إلى غير المولى فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فضرب به جالوت النفس فسخر الله ريح العناية حتى أصاب بيضة هواها وخالط دماغها فأخرج منه الفضل والفضول وخرج من قضاها وقتل من رآها ثلثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها وهزم الله باقي جيشها وهو الشياطين وأحزابها، {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 251] ؛ يعني: داود القلب ملك الخلافة وحكمة الإلهامات الربانية {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} [البقرة: 251] ، من حقائق القرآن وأسرارها وإشاراتها {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [البقرة: 251] ؛ يعني: أرباب الطلب المشايخ البالغين الواصلين الهادين المهديين.
كما قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251] ، استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم لتثمر كمالات الدين القويم والعبور على الصراط المستقيم والدخول في جنات النعيم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها وتخريب بلاد الأرواح بتبديل أخلاقها وتكرير صفاء ذواتها وترويدها إلى جحيم صفات البهائم والأنعام وأسفل دركاتها {فَوَلَكِنَّْ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] ؛ يعني: من كمال فضله وكرمه يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم أسرارهم بإرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم في تنقيتهم وتثبيتهم بالصبر والسكون عن الرياضات والمجاهدات في حال تزكيته، ويشير إلى المشير بقبولهم والإقبال عليهم ويصبرهم على الفطام عن ألبان صفاء الأوقات ولذات المناجاة في الخلوات وتقويلهم لذيذ المخاطبات وينعم عليهم بالترحم والتعطف واللين على المريد.
كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] ، فلو لم تكن هذه الألطاف وأضعافها من الله ما يسر لها تزكية نفوسهم أبدا كما قال تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّْ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} [النور: 21] ، بهذه الأسباب وغيرها فهذه إشارات ولطائف لا تتحقق إلا لأهل الخير ولا عبرة في إدراكها بالعقول الجامدة لأهل العزة ولهذا خص الله تعالى حبيبه سيد المرسلين يعني: في ضمن هذه الآيات رموز وإشارات وأمارات ودقائق وحقائق وأنوار وأسرار: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} [البقرة: 252] ؛ أي: نجلوها لديك {بِالْحَقِّ} [البقرة: 252] ؛ أي: بالحقيقة كما هي: {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [البقرة: 252] ، الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الأحوال والكرامات وظفروا بقهر النفس وتبديل الأخلاق والصفات وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات وأرسلوا إلى أهل الغفلات، وعبدوا طواغيت وأصنام الشهوات ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور من الظلمات إلى النور ولكنهم بالغوا إلى ما بلغت من تحقيق إشارة هذه الآيات لأنهم بالغوا مثل ما بلغت في قهر النفس بسيف الرياضات وكنت نبي السيف على النفس كما قال تعالى: