{وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] ، فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلم النفس بالخوف، وإنهم تدرجوا في الدرجات وما قاربوك في القربات، وما وصلوك في الوصلات، وإنهم ليلة المعراج وإن تابعوك في الصلوات؛ ولكنهم ما صاحبوك في الخلوات فإنهم بقوا في الشهوات وأنت عبرت عن المكونات ثم خصصت بقرب {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] خصصت، بسهم {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] ، فوجبت بالكلام بعد ما نوديت بالسلام وعاينت بعدما باينت وأبقيت بما أبقيت بعدما أفنيت، أسري بك وأنت موسوم بالعبودية، فوصفت بالرحمة إذ أرسلت من مقام العندية ثم فطمت عن رضاع:"لي مع الله وقت"، وابتليت بسفارة جبريل عليه السلام وقتًا دون وقت ثم لقيت من القوم ما لقيت بعدما تعلمت عما سقيت فحق لك أن تقول:"ما أوذي بي مثل ما أوذيت"فعلى هذا لا يحق لأحد من العالمين حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين كشوف حقائق هذه الآيات والوقوف على دقائق هذه المشكلات بقدم السير في هذه المقامات وجناح الطير في هذه الكرامات فهنيئًا لك ما نلت ومريئًا لك ما قلت:"لو كان موسى وعيسى حيًا لما وسعهما إلا اتباعي"وقولك:"الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم"بل قولك:"آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وأنا سيد ولد آدم"ولهذا نظم الله ورد هذه الإشارات في سلك صرَّح وعرض بالعبادات بقوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253] ، والإشارة في تحقيق الآية أن التفاضل في الدين والدنيا ليس بسعيهم وامتثالهم وإنما بتفضيل الله تعالى إياهم.
كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: نحن فضلنا، فلكل واحد من أهل الفضل أنوار ولأنوارهم آثار فمنهم من هو أعلى نورًا وأتم في الرفعة وقورًا فرفعه درجاتهم وعلو مقامهم على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم، وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام.