"يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني"من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، وإزالة لهذه الآفات وطلبًا للإخلاص، فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اليسير من الرياء شرك" {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] ، على من قام بهذه الشرائط، فمن لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولًا، فلا يسلكن غير سبيل الشرع سبيلًا، فإما يكون محوًا في الله، أو يكون قائمًا بالله، أو يكون عاملًا لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 173] ، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة.
ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 174] ، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفًا عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعًا في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} [البقرة: 174] ، بالكتمان {ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 174] ، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ} [البقرة: 174] ، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم:"الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب"فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد.
واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبي من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: