فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 1648

"التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره".

واعلم أن القرآن أنزل لأهل البواطن كما أنزل لأهل الظواهر، والأحكام تحتمل النسخ كما نسخ هذه الآية في الوصية الظاهرة، وباطنة الحكم والحقائق فهي لا تحتمل النسخ أبدًا؛ ولهذا قال أهل المعاني: بأن ليس من القرآن شيء منسوخ؛ يعني: وإن دخل النسخ في أحكام ظاهره فلا يدخل في حكم باطنه فيكون أبدًا معمولًا بالمواعظ والحكم والأسرار والحقائق، {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] ؛ لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] ، فحكم الوصية في حقكم غير منسوخ أبدًا كقول بعضهم:

ما دمُ حيًا فإن أمت ... يحبك عظمٌ في الترابِ رميمُ

وقال بعضهم في الوصية: له الثلثان من قلبي، وثلثا ثلاثة الباقي، وثلاث ثلاث ما بقي، وثلثا الثلث للراقي، فجاز الساجد الراقي بثلث ثلثه الباقي، فيبقى السهم ست تجزي بين عشاقي.

ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} [البقرة: 181] ، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية من المطالب الغيرية، {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} بسمع القبول في ترك الفضول، وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير المتعال، فحجب بعد ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريبًا، وعاد الإسلام غريبًا كما بدأ غريبًا، {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، {عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} [البقرة: 181] ؛ أي: على القلب والروح والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} [البقرة: 181] لهذا الوصية المرضية، {عَلِيمٌ} [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين:

أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى في حق أهل البعد: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، وقال في حق أهل الحضور: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا} [يس: 70] ، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن حضره الموت وهي: النفس على التحقيق.

والثاني: لأن النفس لمَّا انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسه الصفات الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيرًا عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت