{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ} [النحل: 96] ، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم:"كفى بالموت واعظًا"لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جدًا.
وقوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا} [البقرة: 182] ؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، {جَنَفًا} في ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزًا عن حد الشرع في رفع الطبع، {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} [البقرة: 182] ؛ يعني الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ولاية كامل؛ ليطرق سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدًّا.
{فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 183] ، أي: فلا حرج على المصلح بينهم فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} [البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، {رَّحِيمٌ} [البقرة: 182] ؛ أي: يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم:"إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة".
ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية بقوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] ، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، {الَّذِينَ آمَنُواْ} شهود أنواع الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته"عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهرًا وباطنًا لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم:
لقد صامَ طرفي عن شهودِ سواكم ... وحق له لما اعتراهُ نواكم
يعيد قوم حين يبدوا هلالهم ... ويبدو هلالُ الصب حين يراكمُ
قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] ؛ أي: على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين: على النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] ، هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعًا من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم الصيام وهم مركبون، {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} من المفردات، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ، من مشارب المركبات، وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد الله