فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 1648

{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم:"للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه".

ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184] ، إلى قوله تعالى: {وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] .

الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا كقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] .

ثم قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} [البقرة: 184] ؛ أي: وقع له فترة من السلوط لمرض عارض قلبه من غلبات صفات النفس وداعي البشرية وكسل الطبيعة فانحرف خارج القلب، {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 184] ، أو وقع له أثناء السلوك من العجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تشتد إرادته وتقوى جرأته وتدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الألطاف، ويزيل مرضه بملينات الألطاف، {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] ؛ يعني: في أيام سلامة القلب وزوال المرض فيستدرك ما فاته بالأخذ بالتأويل وما رخص له في التسهيل كما قال تعالى لأهل الرخص: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] .

وقال تعالى لأهل العزائم: {َاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] وذلك سنة من الله في التسهيل لأهل البداية، ثم استيفاء ذلك عنهم واجب في آخر الحالة، {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} بالبقرة: 184]؛ أي: على كل من كان له قوة في صدق الطلب وهمة علية في المقصد واجبة لما أفطروا، وإن إمساك الهمة عن المشارب بالالتفات إلى بعض المطالب فرجع تسيهلات الشريعة عن شارب الحقيقة، {طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] ، إشار إلى أن كل مشرب ألطاف الحق؛ يعني: المسكين من يكون مشربه غير ما عند الله، وفيه إشارة إلى أن كفارته ما يكون {طَعَامُ مِسْكِينٍ} فيعطيه المساكين بالخروج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشرب مشاربه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل ويقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت