{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ} [الأحزاب: 72] ، فافهم جيدًا.
ثم أخبر عمَّن لم يقبل الدعوة من الأنبياء، ولم يعبد الله ليعرفه فبقي في تيه الضلالة فنسب قوم بجهالتهم وضلالتهم الولد إلى الله تعالى {وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ} [الأنبياء: 26] يعني: قالوا: الملائكة بنات الله، فالله تعالى نزه ذاته عن هذا الوضع فقال: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] يعنيك الملائكة.
ثم أخبر عن حقيقة إكرامهم بقوله تعالى: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} [الأنبياء: 27] يشير إلى أنهم منزهون عن الاحتياج بمأكول أو مشروب أو ملبوس ومنكوح، وبنا يدفع عنهم الحر والبرد، وأمَّا [من] ابتلاهم الله تعالى بالأمراض والعلل والآفات، فيسبقون الله بالقول يستدعون منه دفعها وإزالتها والخلاص منها بالتضرع والابتهال، وكذلك ما ابتلاهم الله تعالى بطبيعة تخالف أوامر الله تعالى، فيمكن منهم خلاف ما يؤمرون فقال الله تعالى: {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27] نظيره قوله عز وجل: {لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] ولعمري إنهم وإن كانوا مكرمين بهذه الخصال، فإن بني آدم في سر: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] المكرمون منهم بكرامات أكبر منها درجة وأرفع منها منزلة؛ وذلك لأنهم ما خلقوا محتاجين إلى ما لا يحتاج إليه الملائكة بالكرامتين اللتين لم يكرم بهما الملائكة: فأحدهما: الرجوع إلى الله مضطرين فيما يحتاجون إليه، فأكرموا بكرامة الدعاء، والإجابة بقوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62] على أنهم في ذلك {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} [الأنبياء: 27] كالملائكة.