فهرس الكتاب

الصفحة 1173 من 1648

ثم أخبر عن كرمه مع العباد بإعطاء نعمه بقوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [الأحزاب: 9] يشير إلى أنواع نعمه الظاهرة والباطنة.

أولها: الإيجاد من كتم العدم.

وثانيها: إذ أخرجكم من العدم جعلكم أرواحًا مطهرة إنسانية {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] لا حيوانًا أو نباتًا أو جمادًا.

وثالثها: يوم الميثاق شرفكم بخطاب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ثم وفقكم لاستماع خطابه ثم دلكم إلى إصابة جوابه.

ورابعها: أنعم عليكم بالنفخة الخامسة عند بعثك إلى القالب الإنساني؛ لئلا ينزلوا المنزل من المنازل السماوية والكوكبية والجنية والشيطانية والنارية والهوائية والمائية والأرضية والنباتية والحيوانية وغيرها من المنازل إلى أن أنزلكم في المقام الإنسانية.

وخامسها: عجن طينة قالبكم بيده أربعين صباحًا ثم صوركم في الأرحام وسواكم ثم نفخ فيه من روحه.

وسادسها: شرف روحكم بتشريف إضافته إلى نفسه بقوله: {مِن رُّوحِي} [ص: 72] وما أعطى هذا التشريف لروح من أرواح الملائكة المقربين.

وسابعها: {أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] ثم بالإلهامات الربانية علمكم ما يحتاجون إليه من أسباب المعاش.

وثامنها: ألهمكم فجوركم وتقواكم؛ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد للرجوع إلى المعاد.

وتاسعها: أرسل إليكم الأنبياء والرسل ليخرجوكم من الظلمات الخلقية إلى نور الخالقية.

وعاشرها: أنعم عليكم بالإيمان ثم بالإيقان ثم بالإحسان ثم بالعرفان ثم بالعيان ثم بالعين ثم أتاكم من كل ما سألتموه {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] وذكر نعمة استعمالها في عبودية إذا شكر نعمة، وشكر النعمة رؤية النعمة أن يرى نعمة توفيقه لأداء شكره إلى أن نعجز عن أداء شكره، فإن نعمه غير متناهية وشكرك متناه، فرؤية العجز عن أداء الشكر حقيقة الشكر، ومن الشكر بذكر ما سلف من الذي دفع عنده وأنت بصدده من أنواع البلاء والمحن والمصائب والمكائد.

فمن جملة ذلك قوله: {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] به يشير إلى جنود الشياطين وجنود وصفات النفس وجنود الدنيا وزينتها {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا} [الأحزاب: 9] من نكبات قهرها {وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] من حفظنا وعصمتها {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9] من الميل إلى الدنيا وشهواتها بصيرًا بدفعها وعلاجها كم من بلاء صرفه عن العبد وهو لم يشعر، وكم من شغل كان بصدده فصده عنه وهو لم يعلم، وكم أمر عوقه والعبد يصبح وهو يعلم أن في تيسيره هلاكه فيمنعه منه رحمة عليه، والعبد يتهمه ويضيق به صدره وبقوله: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} [الأحزاب: 10] يشير إلى الآفات السماوية أو {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} [الأحزاب: 10] من متولدات البشرية إذا أحاط بكم سرداق البلاء وأحدق بكم أحكام القضاء {وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 10] من تراكم البلاء وترادف النكبات، وقد ضاق نطاق طاقة البشرية من ضعف الإنسانية لولا أن تداركتكم العناية لأهلكتكم تعاقب النكابة {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ} [الأحزاب: 10] وداخلكم كوامن الارتياب وبدا في سويدائكم جولان الشكوك؛ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدًا، ثم أنال عنهم جملتها وهون عليهم شدتها حتى تفرقت عن قلوبهم همومها فجرت ينابيع السكينة عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت