{وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 226] .
ثم أخبر عن صدق صديقهم بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [آل عمران: 79] ، إشارة في الآيتين: إن ليس من شأن بشر أن يؤتيه الله الكتاب حقيقيًا من أهل القصة، كما قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] ، والحكم؛ يعني: الحكمة التي هي من نتائج إيتاء الكتاب، والنبوة؛ أي: أداء النبوة {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 79] ، أن هذه المقالة من صفات البشر ورعونة النفس وشرها، {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] ، فالخير الكثير مزيل صفات البشر ورعونة النفس وشرها، وصدك لها بالصفات الروحانية والأخلاق الربانية، {وَلَكِنْ} [آل عمران: 79] ، يقول لهم {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79] ؛ يعني: من دأب القوم وهجراهم تربية الإتباع والمريدين؛ ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق الروحانية عالمين {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] ، من العلوم، ولا يطلبون عن دراستها، ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم، وفيه إشارة أخرى وهي: أن بعض مدعي هذا الشأن الذين غلبت عليهم أهواءهم وصفات بشريتهم، يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها، ويخدعون الخلق بأنواع الحيل، ويستتبعون بعض الجهلة، ويعبدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه، ويمكرون بعض أهل الصدق من الطلبة ويقيدونهم بالإرادة، ويقطعون عليهم طريق الحق بأن منعوا من صحبة أهل ومشايخ الطريق، ويأمرونهم بالتسليم والرضا فيما يعاملونهم، ولا يعرفون غيرهم فيعبدون من دون الله كما هو دأب أكثر أهالي مشايخ زماننا هذا، فإنه ليس من دأب من يؤت الحكمة والكتاب والنبوة.
ثم قال: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} [آل عمران: 80] ؛ يعني: من يؤت الكتاب والحكمة والنبوة {أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} [آل عمران: 80] ، فضلًا عن أنفسهم {أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ} [آل عمران: 80] ؛ وهو التثبت بما يصدكم عن السبيل {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] لرب العالمين في الطلب.