فكان النبي صلى الله عليه وسلم من خصوصية {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [الكهف: 110] يرتع في هذه الرياض باختصاص {يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110] يسقى بكاسات المناولات من تلك الحياض، فشك عند سكره من شراب الوصال إذا أدبر عليه بإقدام الجمال والجلال أنها في شهود التلوين، أو من كشوف التمكين حتى أدركته العناية الأزلية والسابقة الأولية فأكرم بخطاب: {لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} [يونس: 94] فتحقق الاجتباء، وزال عنه الأسر لما بدل سكره بالصحو، وزالت صفات بشريته إلى المحو، بل كان هذا فما كان النهي نهي التكوين به كلام الأزلي فخاطبه في الأزل وهو بعد في العدم.
{فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [يونس: 94] ممتريًا كما قال: {تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35] فما كان جاهلًا، فلهذا قال صلى الله عليه وسلم:"لا أشك ولا أسأل".
{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} [يونس: 96] وهي قوله: هؤلاء في النار ولا أبالي؛ أي: وجبت عليهم النار سبق هذه الكلمة فيهم، {لاَ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 96] {وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} [يونس: 97] لأنهم خلقوا مستعدين للعمى والضلالة، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا} [الأعراف: 179] ، وقال: {أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يونس: 43] فهؤلاء خلقوا ليكونوا مظهر صفات الذين لا يؤمنون، {حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس: 97] وهو عذاب البعد وألم الفراق.
ثم أخبر أن إيمان الناس ما قبل عن قوم إلا قوم يونس عليه السلام فقال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} [يونس: 98] وذلك لأن أقوامًا آخرين آمنوا حين عاشوا العذاب وغشيهم بقية مثل: فرعون وقومه، وقوم لوط، وقوم نوح وغيرهم من الأمم فآمنوا حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا، وما آمنوا بالغيب، وإنما الإيمان للقبول هو الإيمان بالغيب كقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] وقوم يونس عليه السلام لمَّا أصبحوا رأوا غيمًا العذاب كما وعدهم يونس عليه السلام آمنوا وصدقوا يونس فيما وعدهم قبل العيان، وكان إيمانهم بالغيب، وتابوا إلى الله بالصدق، {دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 22] بالتضرع والابتهال، فاستجاب الله دعوتهم وقبل توبتهم.
ومن أمارة سعادتهم أنه ما جاءهم العذاب بغتة كما جاء لأقوام آخرين كقوله تعالى: {تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [يوسف: 107] وأنهم مكنوا حتى التجأوا إلى الله تعالى ودعوه مضطرين، فإنه من سنة كرمه تعالى أن يجيب المضطر إذا دعا وما يكن غيرهم للالتجاء وخلوص الدعاء، فكان إيمان قوم يونس عليه السلام إيمانًا حقيقًا مقبولًا كما قال تعالى: {لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ} [يونس: 98] بالإيمان والأعمال الصحالة، {إِلَى حِينٍ} [يونس: 98] آجالهم.