فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 1648

{أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} [فصلت: 54] ، {عَلِيمٌ} [البقرة: 115] ، أحاط بكل شيء علمه، وفيه إشارة أخرى إلى أن القلوب مشارق هبوب الأشواق ومغاربها والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق لظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنواع الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قوم الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة فإذا تجلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على مماليك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمات والضياء، وليس عند الله صباح ولا مساء وتلاشت العبدية في كعبة العندية ونودوا بفناء الفناء من عالم البقاء ورفعت القبلة وما بقي إلا الله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115] ، يوسع القلب لمن يشاء من عباده ليسعه {عَلِيمٌ} يوسع القلب لسعته بلا كيف ولا حيف كما قال تعالى:"لا يسعني قلب عبدي المؤمن".

ثم أخبر عن قصر نظر أهل الشرك بقوله تعالى: {وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ} [البقرة: 116] ، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر مما قالوا غاية ظلومية الإنسان وجهوليته كما قال تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: 5] ، وأظهر كمال حلمه إذ لم ينتقم في الحال كما قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} [النحل: 61] ، وفي قوله: {سُبْحَانَهُ} سبعة معان:

أولها: التنزيه؛ نزه من تهمة الولد كما نزه عن عائشة رضي الله عنها عن تهمة الإفك بقوله: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] .

وثانيها: التعجب؛ تعجب به العباد كيف يتخذ الله الولد وله ما في السماوات عبيد ملكه، وكيف يقول مثل هذا القول مخلوق في حق خالقه، وكيف يحلم عنهم ويمهلهم في مكانهم كقوله تعالى: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} [آل عمران: 191] ، وقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] .

والثالث: التسخير أي: يسخر له ما في السماوات والأرض وسخرهما لعبيده، كما قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} [الزخرف: 13] .

ورابعها: الخلق أي: من خلق السماوات والأرض وما فيهن كقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَق الأَزْوَاجَ كُلَّهَا} [يس: 36] .

وخامسها: القدرة، كقوله تعالى: من بيده ملكوت السماوات والأرض، وما فيهن الإبقاء والإفناء ما ينغبي له أن يتخذ ولدًا كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت