ثم أوعد الجميع بالمرجع إليه فقال {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم} [العنكبوت: 8] أيها الولدان والوالدان {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8] من العبادة الخالصة لله، ومن عبادة الهوى على لسان جزائكم ليقول لكم أن مرجع عبدة الهوى الهاوية: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ} المحبة الحق وطلبوه بأن {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} أي: أعمالًا تصلح للسير إلى الله والوصول إلى حضرة جلال {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 9] أي: ندخلهم مقام الأنبياء والأولياء بجذبات العناية تفهم إن شاء الله، وتؤمن به ثم أخبر عن صورة إيمان بلا معنى ولا إيقاف بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [العنكبوت: 10] يشير إلى حقيقة الإيمان نور إذا دخل قلب المؤمن ينظر الله تعالى وعنايته لا تخرجه أذية الخلق بل يزيد بالصبر على أذاهم والتوكل على الله، كما قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] وكقوله: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] وذلك لأن المحن تظهر جواهر الرجال، وهي تدل على قيمتهم وأقدامهم فقدر كل أحد وقيمته تظهر في محنته من فوات الدنيا ونقصان نصيبه منها، أو كانت محنته في الله ولله تعزيز قدره وقليل من كان مثله بقدر الوقوف في البلاء يظهر جواهر الرجال يصفوا عن الخبث مرآة قلوبهم، ويتزكى عن رذائل أخلاق نفوسهم كما تخلص جوهر نعم العبدية عن معدن الإنسانية بمدة أيام البلاء لأيوب عليه السلام مستعين بالصبر على البلاء، فالمؤمن من يكف الأذى، والولي من يجلي عن الخلق الأذى ويتشرب ولا يترشح عنه الشكوى عن البلوى ولا إظهار الدعوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منه كل مليح، ومن كان إيمانه لسانيًا لا جنانيًا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فإذا أوذي في الله {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ} وإذا هم {كَعَذَابِ اللَّهِ} في الآخرة فتستولي عليه حرفة البشرية إذا لم يكن في حماية خوف الله وخشيته يفترسه خوف الخلق.