كما قال تعالى: {نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] إنما كان لإزالة مرض النسيان عن القلب من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة؛ لأن تلاوة القرآن على نسيان القلب الساهي، كما قال:"رب تال للقرآن والقرآن يلعنه"، وكذلك الصلاة هي مصليها مستوجب للويل، كما قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4 - 5] وأما الذكر فله اختصاص في إزالة مرض النسيان عن القلب بقوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] وعند الاطمئنان توجب سلامة القلب من الأمراض ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام لما نظر نظرة في النجوم، فقال: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] كان طلبه من الله في إزالة سقمه وسلامة قلبه اطمئنان القلب مع وجود الإيمان قال: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] إنما اختص الذكر بإزالة مرض القلب دون تلاوة القرآن وإقامته صفته؛ لأنهما صادرتان من قلب مريض معلوم بالنسيان الطبيعي للإنسان، ورأي العليل عليل، وأما الذكر وإن كان أيضًا صادرًا من القلب المريض ولكنه مختص بطرح إكسير ذكر الله فأبطل خاصية المعلولية وجعله إبريزًا خالصًا مخصوصًا بخاصية المذكورية بقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] فذكر العبد قد فني في ذكر الله فلا جرم، {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} في إزالة مرض النسيان عن القلب بإقامة الصلاة وتلاوة القرآن وجميع أركان الإسلام بحضور القلب المتنور بنور الذكر صارت صادرة بجميع شرائطها موجبة للفلاح الحقيقي، وهو قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: 45] وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2] وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14 - 15] والفلاح الحقيقي الإخلاص من جبل الوجود بجود واجب الوجود.
وبقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] يشير إلى نظر إليه لا يدرك كمالية الجزاء المعد له بمباشرة أركان الشريعة وملازمة آداب الطريقة للوصول إلى عالم الحقيقة، كما قال تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ولكن يعلم ما تصنعون باستعمال مفتاح الشريعة وصناعة الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي الموصل إلى الكنز المخفي من الوجود الحقيقي.