{فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: 72] وبمحمل الجسدانية وقوة الظلومية والجهولية حملها الإنسان فصارت الظلومية والجهولية في حق حاملي الأمانة ومؤدي حقها مدحا وفي حق الخائنين فيها ذمًا وكل وجه ذكره المفسرون في معنى يدل على هذا قوله {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] أي: من جهل نفسه في معنى الأمانة حق ولكن طرقها ودعاؤها فحقيقتها ما ذكرنا وما هو قريب بها، والله أعلم.
بقوله تعالى: {لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} [الأحزاب: 73] هذه اللام لأمر الصيرورة والعاقبة يشير إلى أن الحكمة في عرض الأمانة أن يكون الخليفة في أمرها على ثلاث طبقات:
طبقة منها: تكون للملائكة وغيرهم ممن لم يحملها فلا يكون في ذلك لهم ثواب ولا عذاب.
وطبقة منها: من يحملها ولم يؤد حقها وقد خان فيها، فهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات الذين حملوها بالظلومية على أنفسهم وضيقوها بجهولية قدرها فما رعوها حق رعايتها حاصل فهم أمرهم العذاب المؤبد.
وطبقة منها: من يحملها ويؤد حقها ولم يخن فيها ولكن لثقل الحمل وضعف الإنسان يتلعثم في بعض الأوقات فيرجع إلى الحضر بالتضرع والابتهال مقربًا بالذنوب وهم المؤمنون والمؤمنات ليتوب الله عليهم لقوله: {وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 73] والحكمة في ذلك فتكون كل طبقة من الطبقات الثلاث مرآة يظهر فيها جمال صفة من صفاتها.
فالطبقة الأولى: إذ لم تحمل الأمانة وتركوا نفعها لضرها فهم مرآة جمال صفة عدله.
والطبقة الثانية: إذا حملوها طمعًا في نفعها ولم يؤدوا حقها وقد خانوا فيها بأن باعوها بعرض من الدنيا الفانية، {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] فهم مرآة فيها جمال صفة قهره.
والطبقة الثالثة: إذ حملوها بالطوع والرغبة والشوق والمحبة وأدوها حقها بقدر وسعهم ولكن كما قيل لكل جواد كبوة ووقع في بعض الأوقات قدم صدقهم عند ربهم في حجر بلاء وابتلاء بغير اختيارهم، ثم اجتباهم ربهم فتاب عليهم، وهداهم بجذبات العناية إلى الحضرة فهم مرآة يظهر فيها جمال فضله ولطفه وذلك قوله: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 73] للمؤمنين والمؤمنات بفضله، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.