فهرس الكتاب

الصفحة 1217 من 1648

{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] وهو ألطف من الأرواح ولكن لطافته لا تشبه لطافة الأرواح؛ لأن لطافة الأرواح نورانية علوية محيطة بما دونها إحاطة العلم بالمعلوم والله منزه عن هذه الأوصاف {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .

قوله: {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} [فاطر: 11] أي: ثم خلقكم من نطفة، يشير إلى أنه خلقكم من أسفل المخلوقات وهي النطفة؛ لأن التراب نزل دركة المركب ثم دركة النباتية ثم دركة الحيوانية ثم دركة الإنسانية، ثم دركة النطفة، فهي أسفل سافلين المخلوقات، وهي آخر خلق خلقه الله من أصناف المخلوقات كما أن أصناف آخر شيء على الشجرة آخر شيء يخلقه الله تعالى وهو البذر الذي يصلح أن يؤخذ من الشجرة، فالبذر آخر صنف خلق من أصناف أجزاء الشجرة.

وقوله: {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا} [فاطر: 11] يشير إلى ازدواج الروح والقالب، فالروح على أعلى مراتب القهر والقالب من أسفل دركات البعد، فبكمال القدرة والحكمة جمع بين أقرب الأقربين؛ ليكونا بالروح والفناء وأبعد الأبعدين ورتب للقالب على ظاهره الحواس الخمس وفي باطنه قوى البشرية ورتب للروح المدركات الروحانية؛ ليكون بالروح والقالب مدركًا لعالم الغيب والشهادة.

وبقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] يُشير إلى أن كل أنثى ووضع حملها إنما هو بتقديره وبعلمه بكيف وكيفية على وفق حكمته وإرادته {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} إلا وله في تعميره إلى أجل يعمر بأمر حكمة بالغة {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} أي: من عمره التام {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11] أي: الحكمة في تمام عمر من عمَّر عمرًا تامًا، وفي نقص من عمَّر عمرًا ناقصًا في أيام أم الكتاب الذي عنده لا يزيد فيه ولا ينقص {إِنَّ ذَلِكَ} [فاطر: 11] أي: في رعاية تلك الحكمة وإمضائها {عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .

ثم أخبر عن تلون الإنسان في تكونه بقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ} [فاطر: 12] يشير إلى بحر الروح {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} [فاطر: 12] أي: صفاته حميدة {سَآئِغٌ شَرَابُهُ} [فاطر: 12] أي: جائز عند الخلق والخالق يعني مشروبه مقبول محمود {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12] أي: بحر النفس وصفاتها ذميمة {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} [فاطر: 12] أي: من البحرين، أما من بحر الروح فلحمه الطَّري هو الواردات الربانية، وأما بحر النفس فلحمها الطري هي شهوات {وَتَسْتَخْرِجُونَ} [فاطر: 12] منه أي: من بحر الروح {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [فاطر: 12] من شواهد الحق ومعارفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت