فهرس الكتاب

الصفحة 1224 من 1648

{رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] أي: بحمل الأمانة الثقيلة وإنما {اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] بعد زلة قدمه استحقاقًا؛ لأنه لو لم يحملها لبقيت الأمانة غير محمولة، ولما كانت الحكمة في عرضها حملها فلو لم تحمل لكان الغرض لحملها عبثًا وهل جناب القدس الإلهي أن يقع فعل من أفعاله عبثًا فآدم عليه السلام إنما ظلم نفسه بحملها تاركًا لحظوظه راغبًا لحقوق الحق تعالى؛ لئلا يقع عرض الأمانة من الله عبثًا فأبت المخلوقات أن تحملنها رعاية لحظوظ أنفسهم.

وقد ظلم الإنسان على نفسه رعاية لحقوق ربه، فلا جرم قدسه الله على الملائكة المقربين وأمرهم بسجوده لظلمه على نفسه إيثارًا لربه، فثبت أن الظالم أولى بالتقديم، ولنا ظلمه في الوسط على نفسه، فبإعراضه عن الدنيا وترك زينتها على خلاف طبع نفسه ونهى نفسه عن هواها وفطامها عن شهواتها الحيوانية ومألوفاتها الإنسانية وتكليفها على الطاعات والعبادات، وتزكيتها عن أوصافها بالمجاهدات والرياضات وبتركها الأوطار والأوطان ومفارقتها عن الإخوان والأخذان ومهاجرتها عن الأهالي والبلدان ومقاساة الشدائد في الأسفار بالمشي على الأقدام وركوب الأهوال في البوادي والجبال والصبر في البلاء عند نزول القضاء وبذل الروح في محاربة الأعداء، وأمثال هذا مما يعالجون به أرباب الطلب وأهل الإرادة نفوسهم.

وأما ظلمه على نفسه في النهاية: فبالسعي في إنشاء صفاتها في صفات الروح ثم إفناء ذاتها في ذات الروح ثم إفناء ناسوتية الإنسانية في لاهوتية الربانية.

وهذا تحقيق قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 - 30] ولما فعل بابن منصور سمع منه فلما أصغى إليه فهو يقول في مناجاته: إلهي أفنيت ناسوتيتي في لاهوتيتكم محوت نسوتيتي على لاهوتيتك إن ترحم على من سعى في قتلي وهذا غاية ظلم الظالم لنفسه ولهذا ذكر بلفظ المبالغة أنه كان ظلومًا جهولًا فثبت بهذه المعاني والحقائق أن الظالم لنفسه أحق وأولى بالتقديم، وأما الدليل على أفضلية السابق على الظالم لنفسه فبأن للسابق في سبقيته بداية ووسطًا ونهاية، وله في هذه المراتب الثلاثة فضل على الظالم لنفسه، أما في البداية: فبأن له سبق العناية الأزلية بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] يعني: في الزل قبل خلقهم، وأما في الوسط: فبأن له سبقة في الخروج من العدم إلى الوجود في اتباع روح النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أول روح خرج من العدم إلى الوجود وأهل سبقة العناية متتابعين لروحه، وأما في النهاية: فبأن له سبقة في الرجوع إلى الحضرة على أقدام الخيرات.

كما قال تعالى: {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32] وهذه الخيرات على قسمين: قسم مركب: من كسب العبد بتقديم الخيرات، وقسم: من فضل الرب بتواتر الجذبات إلى أن يسبق على الظالم لنفسه وعلى المقتصد بالسير بالله في الله، وإن كان مسبوقًا بالذكر في الأخبار كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم مسبوقًا بالخروج في آخر الزمان للرسالة سابقًا بالرجوع إلى الحضرة ليلة المعراج على جميع الأنبياء والرسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت