فهرس الكتاب

الصفحة 1237 من 1648

وقيل: قرئ عند الشبلي قوله: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ. . .} [يس: 55] الآية، فشهق شهقة وغاب فلما أفاق قال: فإنهم مساكين لو علموا أنهم عما شغلوا لهلكوا.

ومنها: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} ، يعني: في الدنيا {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} بأنواع الطاعات والعبادات عن طلب الحق والشوق إلى لقائه كانوا يطلبون منه، وما كانوا يطلبون كما روي عن يحيى بن معاذ أنه قال: رأيتُ ربَّ العزة في منامي، فقال لي: يا معاذ كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد، فإنه يطلبني.

وروي عن أبي يزيد أنه قال: رأيت ربي في المنام، فقال لي: يا أبا يزيد أنا بدك اللازم فالزم بدك.

فاعلم أن كل مطلوب يوجد في الآخرة أنه ثمرة بذر طلبه في الدنيا، كما قال صلى الله عليه وسلم:"يموت الناس على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه".

ومنها: يجود كمال كرمه أنه تعالى يخاطب بهذا الأقوام من عصاة الموحدين، وهم في العرصات بعد لم يدخلوا الجنة، فيقول الحق تعالى لهم: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53] إن كان أهل النار لا يتفرغون إليكم لأهوالهم، وما هم فيه من صعوبة أحوالهم، وأهل الجنة وأصحابها اليوم في شغل عنكم في لذاتهم، وما وجدوا من أفضالهم مع أهاليهم وأشكالهم، فليس لكم اليوم إلا أنا من فرط كرمي و رحمتي، فيدعون منه السلامة عن النار برحمته، ودخول الجنة بكرمه، فيعطي سؤلهم ويبذل مأمولهم، وذلك تحقيق قوله: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ * سَلاَمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 57 - 58] .

ومنها: إن لله عبادًا استخصَّهم للتخلق بأخلاقه في سر قوله:"كنت له سمعًا وبصرًا فبي يسمع وبي يبصر"، فلا يشغلهم شأن اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم عن شأن شهود مولاهم في الجنة، كما أنهم اليوم مستديمون لمعرفته بأي حال من حالاتهم، ولا يقدح اشتغالهم باستيفاء حظوظهم من معارفهم، ويقول: {سَلاَمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] ، يشير إلى أن سلامه تبارك وتعالى كان قولًا منه بلا واسطة وأكَّده بقوله: {مِّن رَّبٍّ} ليعلم أنه ليس سلام على لسان سفيره، قوله:"من رحيم"فالرحمة في تلك الحالة أنه يرزقهم الرؤية في حال ما تسلم عليهم؛ ليكمل لهم النعمة.

وإشارة أخرى أن السلام من الرب الرحيم لو لم يكن صادرًا عند تجليه جل جلاله لأهل الجنة لتلاشت من سطوة جلاله الجنة وما فيها، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج على بساط قرب أو أدنى في خلوة"لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل"؛ بتجلي ذاته وصفاته سبحانه وتعالى على وجه لم يتخصص به أحد من العالمين قبله ولا بعده، ما أثبته إلا قوله تعالى:"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، ما سلم من تلك السطوة إلا في حفاوة سلامه كما سلم إبراهيم عليه السلام من البرد حين قال: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] ، وبقوله: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] يشير إلى امتياز المؤمن بيمينه، وبإيتاء كتاب الكافر بشماله، وبثقل الميزان بالنور وبخفّه بالظلمة، وثبات القدم على الصراط وزلة القدم. . . . وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت