فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 1648

{وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] ، والأمر بالجوع بصيام شهر رمضان، والأمر بنقصان المال بأداء الزكاة، والأنفس بالجهاد في سبيل الله، والثمرات بأداء العشر منها.

وأما الصبر بالاختيار: ففي قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ} [البقرة: 155] ، إشارة إلى أنا نخبركم هل تختارون {بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ} [البقرة: 155] ، الخوف بأن يخافوا من الله ويفروا منه إليه، والجوع فتجوعون تقربًا إلى الله تعالى، كما كان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم:"أجوع يومًا وأشبع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وصبرت، وإذا شبعت ذكرتك وشكرتك"ونقص من الأموال فتخرجون عنها بتركها والإنفاق في سبيل الله، والأنفس فبذل الروح في طلب الحق، والثمرات فبالغذاء في طريق الحق كل ثمرة أثمرته شجر الوجود حتى الولد كما كان حال الخليل عليه السلام في صحيح مقام الخلة ببذل المال والنفس والولد.

وأما الصبر بالاضطرار: وهو الصبر على المصائب التي تقع من غير الاختيار كما سبق ذكره.

ثم نعت الصابرين بقوله: {إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} [البقرة: 156] يعني: بالأمر أو بالاختيار أو بالاضطرار، كما ذكرنا {قَالُواْ إِنَّا للَّهِ} [البقرة: 156] أي: ليس لنا وجود حقيقي تملكه بل وجودنا مجازي، وله مالك له الوجود الحقيقي {وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] ، ببذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي في مقام العندية، فيخرج من عندنا ببذل ما عندنا؛ ليدخلنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإن ما عندنا ينفد وما عند الله باق {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} [البقرة: 157] ، جذبات {مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157] ، المفلحون بجذبات الحق إلى مقام العندية والتخلق بخلق من الأخلاق، وهو الصبر وهو الذي يشير به الصابرون بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] أعني: صلوات بجذبات الحق والاهتداء بها إلى مقام العندية.

ثم أخبر عن شعائر الله بقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] ، والإشارة فيها أن الله تعالى شعائر الظاهر دالة على شعائر الباطن؛ لتستدل العبد بإقامة مراسم شعائر الله في الظاهر بالصفاء والمروة من شعائر الله في الباطن، فالصفا السر والمروة الروح، وللسالك بينهما سعي فساعة يسعى صفاء السر بقطع التعلقات عن الكونين، والتفرد عن التقلين تبتلًا إلى الله تعالى لقوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] ، وساعة ليسعى في مروة الروح وهي إيصال الخير إلى جميع الأجزاء الإنسانية من الداخلية والخارجية، الباطنية والظاهرية بمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر في الطاعة، وتقديم الخيرات إلى نفسه وأهله وعياله والعالمين بأسرهم، والإشارة في سبع مراتب أن لظاهر الإنسان سبعة أركان ولباطنه سبعة أطوار، فكذلك العالم سبعة أقاليم {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} [البقرة: 158] ، بيت القلب في طلب الرب {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} [البقرة: 158] ، خرج {أَن يَطَّوَّفَ} [البقرة: 158] ، بصفا السر فإنه تعظيم أمر الله، ويسعى {بِهِمَا} [البقرة: 158] ، في مروة الروح فإن الشفقة على خلق الله يكون من شعائر الله، ويصل بركات سعيه إلى سبعة أركانه الظاهرة، وسبعة أطواره الباطنة، وإلى سبعة أقاليمهم كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت