{أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12] ، فلعن إلى الأبد لهذا المعنى فمن حقر أخاه المسلم، فإنهم مخصوصون بهذا الاسم، كما قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ؛ يعني: لا ينظر المنتهى من أرباب الطلب بنظر الحقارة إلى المبتدئ والمتوسط، {عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِّنْهُمْ} ، فإن الأمور بخواتيمها؛ ولهذا قال:"أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري"، وقال صلى الله عليه وسلم:"ربَّ أشعت أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره"، وبالنساء يشير إلى عوام المسلمين؛ لأنه تعالى يعبره عن الخواص بالرجال لقوله تعالى: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37] .
{يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ} [الحجرات: 12] ، {وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} [الحجرات: 11] إلى هذا المعنى يشير.
ثم يقول: كان للملائكة شركة مع إبليس في قولهم لآدم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ. . .} [البقرة: 30] ، كان في نظرهم إليه بالحقارة إعجاب أنفسهم مودعًا، ولكن الملائكة لم يصروا على ذلك الإعجاب، وتابوا إلى الله ورجعوا مما قالوا، فعالجهم الله بإسجادهم آدم عليه السلام؛ لأن في السجود غاية الهوان والذلة للساجد، وغاية العظمة والعزة للمسجود، فلما كان في تحقير آدم هوانه وذله وعزة الملائكة وعظمتهم فأمرهم بالسجود؛ لأن العلاج بأضدادها فزال عنهم علة العجب، وقد أصر إبليس على قوله وفعله، ولم يتب فأهلكه الله بالطرد واللعنة، فكذلك حال من ينظر إلى أخيه المسلم بنظر الحقارة، ولا ينتهي عما نهاه الله تعالى بقوله: {وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} [الحجرات: 11] ، وإنما قال: {أَنفُسَكُمْ} ؛ لأن المؤمنين أنفسهم واحدة إن عملوا شرًا إلى أحد؛ فقد عملوا إلى أنفسهم، كما قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ. . .} [الإسراء: 7] الآية.
{وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ} [الحجرات: 11] ؛ أي: بألقاب فيها شين لدينهم، {بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ} [الحجرات: 11] ؛ أي: يخرجهم من الإيمان، {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} [الحجرات: 11] ؛ يعني: من مقالة إبليس وفعاله بأن ينظر إلى نفسه بالعجب وإلى غيره بالحقارة، {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] ، فيكونوا منخرطين في سلك اللعنة والطرد مع إبليس، كما قال: {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] .
ثم أخبر عن الاجتناب عن قومه من الظن بقوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ} [الحجرات: 12] ، وتمامها {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12] .
قوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13] ، يشير إلى خلق القلوب إنها خلقت من: ذكر وهو الروح، وأنثى وهي النفس، {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ} [الحجرات: 13] ؛ أي: جعلناها صنفين: صنف منها شعوبًا وهي التي تميل إلى أمها، وهي النفس والغالب عليها صفات الروح؛ {لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] أصحاب القلوب وأرباب النفوس، لا ليتكاثروا ويتنافسوا ويتشابهوا بالعقول والأخلاق الروحانية الطبيعية، فإنها ظلمانية لا يصلح شيء منها للتفاخر به ما لم يقرن به الإيمان والتقوى، فإن تنورت الأفعال والأخلاق والأحوال بنور الإيمان والتقوى، ولم تكن الأفعال منسوبة بالرياء، ولا الأخلاق مصحوبة بالأهواء، ولا الأحوال منسوبة إلى الإعجاب؛ فعند ذلك تصلح للتفاخر والمباهات بها، كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] ، وقال صلى الله عليه وسلم: