فهرس الكتاب

الصفحة 1413 من 1648

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ} [الطور: 17] الذين اتقوا متاع الدنيا، وهو ما عده الله تعالى في كلامه؛ حيث بيَّن ما زينه الشيطان للإنسان بقوله عز وجل: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] ، {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذالِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} [آل عمران: 15] عن هذه الأمتعة التي ذكرناها، وعن نيران الشهوة والغضب والكبر والحسد عند ربهم جنات، كما يقول في هذه السورة {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} [الطور: 17 - 18] ، من العلم النافع، الذي حملهم على التقوى من متابعة الهوى والاشتغال باللعب واللهو في جميع أمتعة الدنيا، التي هي الحطمة في العقبى.

{وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [الطور: 18] ؛ يعني: بعد أن يلهيهم الله بالعلم النافع وقاهم من العذاب بالتوفيق الذي أعطاهم الله؛ ليجتهدوا في إطفاء نيران الشهوة والغضب والكبر، وإخمادها بالماء والثلج والبرد.

{كُلُواْ وَاشْرَبُوا هَنِيئًَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 19] ؛ يعني: {كُلُواْ} من ثمرات المعارف المختصة باللطيفة النفسية، {وَاشْرَبُوا} من العيون المختصة باللطيفة القلبية، {هَنِيئًَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من الأعمال الصالحة الظاهرة على الجوارح، والإخلاص والصدق الباطن المختص بالقلب.

{مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} [الطور: 20] بما صفوا أسرارهم مستريحين بمشاهدة أنوارهم، {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الطور: 20] ، بما تركوا في البحر المسجور وهو النفوس، زوجنا لطيفة حورية روحانيتهم بمعاينة صورة الذكر الخالص عن الخواطر الودية.

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ} [الطور: 21] ، من قوى لطائفهم باللطيفة المرسلة الخفية، وما مضى عليهم من الأمور الغيبية، {وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم} [الطور: 21] ؛ أي: قوى قالبيتهم ونفسيتهم {بِإِيمَانٍ} [الطور: 21] ؛ يعني: ما عملوا بالجوارح الظاهرة والقوى الباطنة شيئًا ينقص حقيقة إيمانهم، من ارتكاب المناهي والاشتغال بالملاهي، والاجتراء على المعاصي مما يؤخذ صابحه وقت كشف الغطاء بالنواهي، {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21] ؛ يعني: ألحقنا باللطائف قواهم المزكاة في التمتع بالأكل والشرب وما تشتهي أنفسهم، {وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21] ؛ أي: ما نقصنا من آبائهم بما أعطينا ذرياتهم، {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} [الطور: 21] ، هذه إشارة إلى أن اللطائف أجور خاصة مما يليق بحالها من معارف الحقيقة الإلهية، وللقوة المذكورة أجورًا خاصة من المعارف الحقيقة والروحية والسرية والقلبية، وللجوارح أجورًا خاصة مما يليق بها من التنعم بالنعيم المقيم، والحور العين، وما اشتهت أنفسهم في الجنة، فكل جارحة من الجوارح أو قوة من القوى أو لطيفة من اللطائف بحسب سعيها في طاعة الله تعالى في دار الكسب، يجزيها الله في دار الجزاء بمثل ما كسبت وسعت وادخرت لنفسها، كما يقول تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت