{وَلَكِنَّْ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الطور: 47] ؛ يعني: لا يعلم أكثر الخلق اليوم ما يدخر لهم من مكتسباتهم غدًا في دار المقامة؛ لكثافة حجب جهلهم بأجر الآخرة، وقصور نظرهم عن اللذات الآجلة، مقصورة همتهم على الشهوة العاجلة، وغلظ أستار ظلمهم من ظلام وجودهم.
{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الطور: 48] يا صاحب اللطيفة الخفية، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] ؛ أي: بحفظنا [وأمننا] وأنت عزيز عندنا، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [الطور: 48] ؛ أي: نزهه عن الشريك وتيقن أن تنزيهك وتسبيحك له من توفيقه، واحمده حمد العاجز عن أداء حق حمده؛ ليكون هذا العجز منك محمودًا عند ربك {حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48] ، مقام العبودية على عتبة العبدية.
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} [الطور: 49] ، يعني: فسبحه عند نزول السكينة عليك؛ ليدخلك في دار الحرية ويجلسك على سرير الكرامة، {وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49] ؛ أي: إدبار نجوم اللطائف عند ظهور نجم اللطيفة الخفية، وأيضًا وقت هلاك النجوم عند ظهور قوى شمس الوجه، كما بقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] .
فينبغي أن يسبح السالك له عند ظهور نور الوجه بلسانه، ويتحرز عن إثبات وجود غير وجوده؛ لأنه شرك مطلق في ذلك المقام، وبدوّ نجوم القوى الروحانية أيضًا دليل قاطع على طلوع شمس الوجه على سبيل الجذبة والسر، الذي به صارت اللطائف القالبية والنفسية والقلبية والسرية والروحية والخفية محلًا للقسم.
وذكر البحر المسجور بعد ذكر اللطائف القالبية والقلبية والسرية والروحية والخفية في القسم الملكوتي والسر، الذي سلك القلب في سلك السر في القسم، وإن القسم بقاف القلب مدرج في قاف والقرآن، و الخصوصية التي بها ما أقسم بين قسمه باللطائف الخمسة، باللطيفة القلبية والخفية، وأقسم منهما منفردًا في سورة قاف والنجم، وسورة النجم مكية وهي اثنا وثلاثون آية من حدود القرآن، ولا يمكن لأحد أن يفسر حد القرآن برأيه الملكوتي؛ لأنه يتعلق بأسرار عالم الجبروت، ومطلع القرآن يتعلق بأسرار عالم اللاهوت، فأما بطن القرآن من أسرار عالم الملكوت، والذي أشرت إليه في تفسير هذه السورة كان من بطن القرين مما ينبغي للسالك أن يعرفه؛ ليمكن له السلوك ويصح له التوجه إلى مالك الملوك، فالواجب على مفسر ظاهر القرآن ألاَّ يفسر إلا بالسماع، وعلى المحقق ألاَّ يفسر البطن إلا بإلهام، وعلى الموحد ألاَّ يفسر الحد إلا بإذن، وعلى المطلع على سر الذات أن يصير ألكن، وأبكم في مطلع القرآن؛ ليكون هو المبين، والله المستعان وعليه التكلان.