{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] ؛ يعني: أوحى الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام أعلى مقام الزلفى والقربى جهرًا، ما أوحى إلى سره قبل ذلك الوقت سرًا، وهذا السر كشوفي ثم شهودي؛ يعني: ألهم الرب سر السالك من حيث الكشف في البداية سرًا، ثم يلهمه بعد إيصاله إلى حضرة المشاهدة جهرًا؛ ليتفق بالإلهام الكشفي أنه كان من الحق سبب الوحي الجهري حالة الشهود، وهذه الطريقة مبناه واضحة عند أصحاب الوصول في السير والسلوك.
{مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11] ؛ يعني في الوحي الشهودي لا يمكن للقوة المدركة أن تكذب ما رأى فؤادها، غير أنها في عالم الكشف كانت دخيلة نظرًا عليها الشبهة بإلقاء الشيطان في روعها، {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم: 12] في المشاهدة؛ يعني: خاطبي قواك، أتنكرون على اللطيفة ما رأت في عالم الشهود؟ ويجادلها {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] ؛ يعني: اللطيفة الخفية، رأى الحق بعد نزوله من الأفق الأعلى إلى سدرة المنتهى وسدرة المنتهى ووحيه، كما أن الأفق الأعلى خفي، فيها جنة المأوى كما قال تعالى: {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 14 - 15] ، وكل ما ذكره أهل الظاهر في تفسير سدرة المنتهى حق، فينبغي أن يشاهد السالك في معراجه مثل ما ذكروه، وجنة المأوى اليوم موجودة بل هي معك، فإن كنت عمرتها وزرعت فيها البذور والطيبة صارت جنة المأوى، والنار موجودة وهي معك، فإن كنت عمرتها وزرعت فيها البذور الفاسدة صارت جهنم وهي أيضًا معك، وكلاهما في المنتهى، ولكل أحد من الناس سدرة المنتهى حاصلة؛ لأن منتهى سره يكون إليها ولا يمكن التجاوز عنها، فأما المخصوصون المجذوبون فإنهم جذبوا عنها بجذبات اللطف، كما أخبرنا الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم بقوله:"جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين"لأن العامل يصل بعمله إلى سدرة منتهاه، ولا يمكن التجاوز عنها بعمله؛ لأن العمل يتعلق بالعامل، ولا يصل أحد إلى الله بعمله إلا بتوفيقه وجذبته، ولكن يصل بعمله المخلوق إلى سدرة منتهاه؛ وهي أيضًا مخلوقة، فاجتهد في أن تصل إلى سدرة منتهى استعدادك اليوم، وتشاهد ما هيئت نفسك في سدرتك، ولا تلتفت إليه وتوجه بالكلية شطر جناب الجبروت؛ لأن السدرة وما فيها ملكوتية.