فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 1648

وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] فيريد بكم اليسر الذي هو مع العسر، فلا تنظر في امتثال الأوامر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي مع العسر، فإن العاقل الذي ينظر مرارة الشراب فيتركه ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة؛ وفيه معنى آخر أنه {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} إذا هداكم للإيمان وبعث إليكم الرسول؛ لتؤمنوا به وأنزل معه القرآن وخاطبكم بقوله: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ} [البقرة: 183] ، ثم وفقكم لإعطاء حق ما وجب عليكم واتقاء مخالفة ما كتب عليكم والتصديق بالحسنى التي وعدكم بها، اليسرى وهي ما أراد به من اليسر لقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 5 - 7] ، ومن يرد الله به العسر لم يوفقه لإعطاء حق الإيمان؛ ليبخل به ولاتقاء مخالفة ما وجب عليه ليستغني ولا للتصديق؛ ليكذب بالحسنى؛ لكي ييسره للعسرى؛ وهي ما أراد به من العسر كقوله تعالى: {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 8 - 10] ، ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه أقامه لطلب اليسر، ولو لم يرد به اليسر لما جعله طالبًا لليسر هاربًا من العسر، قال قائلهم:

لو لم ترد نيلَ ما أرجو وأطلبهُ ... من فيضِ جودك ما علمتني الطَّلبا

حقق رجاء أهل الوفاء للعطاء وأقلق قلوب العشاق ببلوغ اليسر، حيث قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185] ، وأزال عن صدور العابدين الشجون، وأزاح عن قلوب المحبين مجوزات الظنون، حيث قال: {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ} [البقرة: 185] أنواع الغاية بجذبات {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} ولتتموا عدة أيام الطلب بمبليات، {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، {وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ} [البقرة: 185] ؛ أي: ولتعظموا الله عن الانفصال والاتصال، {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] أي: ولكي تشكروا نعمة الوصال بأداء حق التنزيه لذات ذي الجلال في تحقيق {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] أهل الكمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت