"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"يعني: كل من كان له استعداد كامل في الجاهلية إذا دخل في الإسلام بشرط حياة القلب، وعلامتها فقه القلب أحكام الوارد والتذاذه به، ومعه ذلك الاستعداد، فهو يكون خيرًا ممن لم يكن له استعداد مثل استعداده، وهذا أمر بيِّن، إذا كان رجل قوي المشي وهو يقصد [السومنات] لزيادة بيت الأوثان يرجع من الكفر ويسلم ويقبل على زيارة الكعبة، ويمشي كل يوم فرسخًا هو يصل إلى الكعبة قبل الرجل الذي كان ضعيف المشي، وهو مسلم عازم إلى زيارة البيت الحرام، ولأجل هذا قال صلى الله عليه وسلم"المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف"فأما هؤلاء المنافقون طبع على قلوبهم لنفاقهم فهم لا يفقهون حقيقة الوارد {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنافقون: 4] يعني: للقوى المنافقة النفسانية مناظر حسنة، وقوة عظيمة، وكلام رائق، وتملق تام تعجبك حسن صورتهم، ولنعوذ كلامهم {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: 4] أي: الفصاحة ظاهرهم، وتشدقهم ولكنهم خشب مسندة أشباح بلا أرواح صور بلا معاني، أسندهم الله على جدار القالب، فلما خرب الجدار، سقطوا كما يقول الله تعالى: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ} [المنافقون: 4] ويخافون من المجاهدة والمحاربة والهجرة عن مألوفات الطبع، وإذا سمعوا من قوة القلب صيحة عند الذكر يكادوا أن يموتوا من الخوف؛ لشعورهم بوصول جنود الخواطر السرية والخفية التي أي: حزب الرحمن {فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] واحذر عن صحبتهم وعن استماع كلامهم، وعن مجالستهم {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4] يعني: لعنهم الله بإفكهم كيف يؤفكون الكلام، ويصرفون الناس عن الحق.