فهرس الكتاب

الصفحة 1507 من 1648

{يالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} [النبأ: 40] كما كنت في الأرض قبل التركيب والتربية والعروج، ولما كان إلى الشعور على سوادّية على شقاوتي، وعلى أني مستحق تحت قدم الخلق، وما كان هذا ظلمًا بنسب إلى الدهقان؛ فكيف يتصور أنه تعالى ظلم على أحد؟! فكما كان استعداد كل أحد وحظه واحد من صفات لطفه [أو] قهره وقت التربية ظهر في العصر صفاء، وفي العصارة كدر، وتحقيق هذا السر يختص بمطلع القرآن؛ فافهم أن الله تعالى خلق الخلق بحكمته، وربّاهم بصفات قهره ولطفه، وأرسل إليهم الرسول عليه السلام ليهديهم إلى سبيل التصفية والتنقية والتزكية والتربية؛ فمن كان صالحًا للتربية صدق الرسول عليه السلام واشتغل بما أُمر به، ومن كان فاسدًا كذب الرسل، وأقام على طبيعته المكدرة، و {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ} [المائدة: 99] ، ولا يقدر أحد أن يهدي أحدًا بغير إذن الله، كما يقول في كتابه: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّْ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [القصص: 56] ، ويقول: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، وما أنت إلا نذير.

فيا أيتها اللطيفة المنذرَة: أنذري جميع القوى عشيرتك الأقربين أولًا، ثم أنذري من كان حول مكة وجودك من الأقربين والأبعدين، ثم أنذري جميع القوى التي في ملكك وملكوتك من القوى الترابية الأنسية ومن القوى النارية الجنية، لأنك أرسلت إلى كافة الخلق بشيرًا ونذيرًا.

{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} [التغابن: 3] ، يعني: خلق سماوات روحانيتك اللطيفة، وأرض بشريتك الكثيفة، من لطفه وقهره بالحق؛ ليظهر منها لطيفة مستحقة لمظهرية ذاته، والمفردات ما كانت مستحقة لمظهرية ذاته؛ لأن المفردات مظاهر [لطافات] أفعاله، والمركبات السفلية مثل المعادن والنبات والحيوان ما كانت مستحقة لمظهرية ذاته أيضًا؛ لعدم اللطائف العلوية فيها، والمركبات العلوية قوى فاعلات، واللطائف السفلية قوى قابلات؛ فلأجل هذا جمعت في [نشأة] الإنسان صارت مظاهر لذاته، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ"ولهذا قَبِلَ حمل الأمانة {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [التغابن: 3] ، كما بينا {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [التغابن: 3] ، بعد خراب البدن، واكتساب استعدادات المظهرية مراجع الإنسان إلى حضرته.

{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [التغابن: 4] ، كما أشرنا إليه {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [التغابن: 4] ، لأنه معهم، ويطلع على قوى سرهم وقوى علانيتهم، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [التغابن: 4] ، لأن فساد عالم كونك وصلاحه مربوط بسماء الصدر التي هي سماء الدنيا، وهي ذات البروج.

{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} [التغابن: 5] ، من قوى القالبية الكافرة؛ {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} [التغابن: 5] ، يعني: جزاء أعمالهم، والعذاب الذي لحق بهم من مشتهياتهم العاجلة، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التغابن: 5] ، مدخر في دار الآخرة بعد خراب البدن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت