فتهجرك من لفظي هو الوصل كله ... وسكرك من لحظي فسح لك الشرب
فما ملّ ساقينا وما ملّ شارب ... غفار لحاط كأسها يسكر اللب
فالعجب كل العجب أن قومًا أسكرهم الشراب، وقومًا أسكرهم شهود الساقي كقولهم:
فأسكَرَ القومَ دَورُ كأسٍ ... وكان سكري من المُديرِ
وإثم الإعراض عن كئوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية، وكما أن السكران ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى ممنوع عن المواصلات، وأما إثم الميسر فهي إن آثار القمار هي شعار أكثر أهل الديار في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال، وإنه كبير عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار، وأما نفعه فعدم التفات إلى الكونين، وبذل نقوش العالمين في فروانية نقش الكعبتين: {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص وقليل ما هم {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] ، وهو ما يعطيه المرء ويعفو أثره عن قلبه عند الإنفاق يعني: يطيب القلب لأن أصل العفو المحو والطمس يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"أفضل الصدقة ما كان عن ظهر عنى"وقال: ليس الغنى عن كثرة الغرض، ولكن الغني غنى النفس، وفيه معنى آخر قيل: العفو التجاوز عن الذنوب وترك العقاب، والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في تأويل قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} [الأعراف: 199] ، قال وعفوك عن ظلمك وقال تعالى: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237] ، وقيل: العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص أن يخرجها عن فاضل أموالهم عن قدر كفايتهم، فأما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر غيره على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحب الذي يؤثر به غني {كَذلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} [البقرة: 219] ، في هذه السؤالات {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] ، في أحوالكم وحاصل أموالكم {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [آل عمران: 22] ، فستعلمون أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220] ، تأديب وتعليم وبذل النصح لهم من إصلاح ما لهم ولكم من ذلك أيضًا خير وثواب وأجر عند الله {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} ، في المعاملة والمجالسة والمكالمة {فَإِخْوَانُكُمْ} ، فكونوا معهم كما تكونون مع إخوانكم في الصبر على الاحتمال عنهم عند الإرشاد والنصيحة والشفقة عليهم بكل حال من غير سآمة وملالة {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ} [البقرة: 220] ، في الإفساد والفساد {مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220] ، في الإصلاح فيعامل كلا على سواكن قلبه من المقصود لا على ظواهر كسبهم من جميع الفنون {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} [البقرة: 220] ، يعز بعزته من يشاء ويذل من يشاء {حَكِيمٌ} [البقرة: 220] ، يحكم بحكمه ما يشاء.