ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} [البقرة: 223] ، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاث:
العوام والخواص وخاص الخواص.
أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] .
وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} [الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التفريد.
وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله نساؤهم فقيل لهم {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] ، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وما يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئة فبقيت قدرة تصرفهم بتقويته {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223] ، فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ} [البقرة: 223] ؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223] ، بأنهم ملاقوا الله أيضًا أن اتقوا الله بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق سعيها.
ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224] ، والإشارة فيها أن عظموا الله ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224] ، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه.