فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 1648

[النساء: 100] ، ففي هذا التسلية قلوب المريدين؛ لئلا يقطع طريق الطلب وساوس الشيطان وهواجس النفس بأن طلب الحق بأمر عظيم وشأن خطير، وأنت ضعيف، والعمر قصير، فإن منادي الكرم من سرادقات الفضل ينادي"ألا من طلبني وجدني"فأين الطلاب في طلبي {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 234] ، وانقضت عدة الطلب بمضي مدة العمر {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 234] ، يا أهل الإسلام {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 234] ، في طلب المرام فإن الناقد بصير {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 234] ، فلا يضيع عمل عامل منكم بالنقير والقطمير، {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 140] .

ثم أخبر عن تعريض الخطبة قبل انقضاء العدة بقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [البقرة: 235] ، الإشارة فيها أن الله تعالى من كمال رأفته، وشمول عاطفته يظهر آثار فضله، وكرمه في حق الخاطب والزوجة والمتوفي جميعًا؛ ففي حق الخاطب أن رخص له في الخطبة بالتعريض، وإن منعه بالتصريح، كيلا يفوته نكاح مرغوبته بأن يسبقه فيه غيره، وقال تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآءِ} [البقرة: 235] ، إلى قوله قولًا معروفًا، وفي الزوجة بما أجاز للمعرض في خطبتها تسلية لقلبها بأنها تنكح بعد زوجها، ويعوضها الله بدلًا خيرًا من زوجها أو مثله، وفي المتوفى برعاية حقه بعد وفاته؛ لأن لا يصرخ أحد في خطبته زوجته ولا يغرم عقدة النكاح حتى يتم عدتها في حفظ وفاته؛ وقال تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] ، ثم قال تعالى: {وَاعْلَمُوا} [البقرة: 235] ؛ أي: الرجال والنساء {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ} [البقرة: 235] ، بعلمه الأزلي {مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 235] ، ما قدر من السعادة والشقاوة والرزق والأمل والأجل والعمل وما دبر وما ركب وما عنى وما خلق ما دبر من التسويل، والتعديل وحسن الاستعداد، وفي أحسن تقويم، وما ركب من الروح والقلب والسر والعقل والشهوة والهوى والغضب، وما عنى من خواص مفردات العناصر ومركباتها، وخاصية النباتية والأوصاف الحيوانية والبهيمية والسبعية والشيطانية والأخلاق الملكية والروحانية، وما خلق لحظة فلحظة فيها من الدواعي والخواطر الخير والشر والحركة والسكون الأقوال والأفعال {فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235] ، بمراقبة السرائر والضمائر في الباطن وبمحافظة ما أمركم به، وما نهاكم عنه في الظاهر، فاحذروا في البواطن بتزكية النفوس عن المذمومات من الأوصاف، وبتجلية القلوب المحمودات من الأخلاق، وتصفية الأرواح من قطع التعلق بالمكونات، وبتعرض الأسرار لأنوار الجذبات، وفي الظاهر بالاحتراز عن المخالفات، والتزام المتابعة، وإن زالت أقدامكم بزلة من الزلات، وابتليتم من سبق الكتاب بآفة من الآفات، فاعتصموا بحبل التوبة، والاستغفار {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235] ، ولولا حلمه لعجل بعقوبة الأسرار، وما أمهل الأخيار فلي زلة من الزلات إلى أن يتداركها بالتوبة والاستغفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت