"إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل"فقد ثبت أنه أخرجهم ذلك اليوم بإصابة النور المرشوش من ظلمات الخلقة وهي ظلمة الحدوث فافهم حتى اهتدوا اليوم فآمنوا، ولولا محبته إياهم وهو مزيد العناية وتوليته بالنصرة والمعونة فضلًا ورحمة منه آمنوا وكانوا كافرين بقوله تعالى: {فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64] .
ثم اعلم أن مراتب المؤمنين في الإيمان متفاوتة، وهم ثلاثة طوائف: عوام المؤمنين وخواصهم وخواص الخواص، فالعوام يخرجهم الله من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] ، والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية الربانية كقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ} [الرعد: 28] ، واطمئنان القلب بالذكر لم يكن إلا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية ومن صفة النفس الاطمئنان بالحياة الدنيا وشهواتها لقوله تعالى: {رَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} [يونس: 7] ، فلما استولى سلطان الذكر على نفس المؤمن وقلبه تنور النفس بنور، وخرجت من ظلمات صفاتها فتبدلت أخلاقها الذميمة بالحميدة، فيكون اطمئنانها مع الذكر يدل ما كانت مع الدنيا، فتستحق حينئذ أن يخرجها الله تعالى بخطاب: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 27 - 28] من ظلمات الصفات الغير المرضية إلى نور صفة {رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} [الفجر: 28 - 29] أي مقام خواص عبادي وخواص الخاص يخرجهم من ظلمات حدوث الخلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلي صفة القدم لهم لتفنيهم به كقوله تعالى: {فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ} [الكهف: 13 - 14] ، نسبهم إلى الفتوة لما خاطروا بأرواحهم في طلب الحق وآمنوا بالله وكفروا بالطاغوت أوقيانوس، فلما تقربوا إلى الله تعالى بقدم الفتوة تقرب إليهم بمزيد العناية، وقال تعالى: {زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] ؛ يعني: إذا خرجوا من ظلمات الكفر بقدم الفتوة إلى نور الهداية أخرجناهم بمزيد العناية من ظلمات النفسانية إلى نور الروحانية، فلما تنورت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنت إلى ذكر الله وأنست به واستوحشت عن صحبة أهل الدنيا وما فيها فأحبوا الخلاء.
كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الأمر قالت عائشة - رضي الله عنها: أول ما بدء به كان حُبب إليه الخلاء، ولعمري وهذا دأب كل طالب محق مريد صادق فقال أكبرهم: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا} [الكهف: 16] وبالحقيقة كان الحق ينطق على لسانه إذا أمرهم بعد المفارقة عن الأوطان والأخدان، ولم يجدوا مريبًا من هذا الشأن بأن يأووا إلى غار لبخلوا مع الله ويطلبوه منه، فإذا قاموا عن وجودهم وبذلوا جهدهم في طلبه ومشوا إليه استقبلهم بجوده هرولة فبدل أوصافهم بألطافه.