فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 1648

[الرعد: 39] .

وأما الحكمة في أن الله تعالى جعل افتتاح كتابه بحرف الباء واختياره على سائر الحروف لا سيما على الألف بأنه أسقط الألف من ال"اسم"وأثبت مكانه الباء، وقال: {بِسمِ} فعشرة معانٍ:

أحدها: إن في الألف ترفعًا وتكبرًا وتطاولًا، وفي الباء انكسارًا وتواضعًا وتساقطًا، فالألف لما تكبرت وضعها الله تعالى والباء لما تواضعت رفعها الله تعالى كما ورد في الحديث:"من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله"وقد ورد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن يأتي الجبل ليسمعه كلامه، فتطاول كل جبل طمعًا أن يكون محلًا لموسى عليه السلام، وتصاغر طور سيناء في نفسه"متى استحق أن أكون محلًا لقدم موسى عليه السلام في وقت المناجاة؟"فأوحى الله تعالى إلى موسى:"أن ائتِ ذلك الجبل المتواضع الذي ليس يرى لنفسه استحقاقًا"فكذلك حال الباء مع الألف.

وثانيها: إن الباء مخصوصة بالإلصاق، وتصل كل حرف بخلاف أكثر الحروف خصوصًا الألف؛ لأن الألف مخصوصة بالقطع وتكون منقطعة عن الحروف كلها، فلما كانت الباء واصلة للرحم في الحروف وصلها الله تعالى، ولما كانت الألف قاطعة الرحم عن الحروف قطع الله معها كما روى عبد الله بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما يحكي عن ربه - جل ثناؤه:"أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم شققت لها اسمًا من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته"حديث صحيح.

وثالثها: إن الباء مكسورة أبدًا فلما كانت فيها كسرة وانكسار في الصورة والمعنى وجدت شرف العندية من الله تعالى واسمه دون الألف كما قال تعالى:"انا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي".

ورابعها: إن في الباء وإن كانت في الظاهر تساقط وتكسر، ولكن في الحقيقة رفعة درجة وعلو همته وهي من صفات المصدقين، وفي الألف ضده. أما رفعه درجتها فبأنها أعطيت نقطة وليست للألف هذه الدرجة، وأما علو الهمة فإنه لما عُرضت عليه النقطة ما قبلت إلا واحدًا بسكون حاله كحال موحدٍ لا يقبل إلا واحدًا، وعابدٍ لا يعبدُ إلا معبودًا واحدًا، وقاصدٍ لا يقصدُ مقصودًا واحدًا ومحبِّ لا يحبُّ إلا محبوبًا واحدًا.

وخامسها: إن للباء صدقًا في طلب قُربة الحق ونيل المقصود الحقيقي لا يوجد في غيرها من الحروف وذلك أنها لما وجدت درجة حصول النقطة وبلغت هذه المرتبة وضعتها تحت قدمها؛ لصدقها في طلب المقصود الحقيق والمطلوب الأصلي، وما تفاخرت بها بل أعرضت عنها حتى بلغت مقصدها الأقصى ومقصودها الأعلى، فالباء مخصوصة من سائر الحروف بوضع النقطة تحتها ولا تناقضها الجيم وإنا كانت تحتها نقطة واحدة؛ لأن نقطة الجيم في وضع الحروف ليست تحتها بل هي وسطها وكذلك الباء، وإنما موضع النقطة تحتها عند اتصالهما بحرف آخر لئلا تشبها بالخاء والثاء بخلاف الباء فإن نقطتهما موضوعة تحتها وإن كانت مفردة غير متصلة بحرف آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت