فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 1648

والإشارة فيها أنك محجوبٌ بك عني فحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، ولحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تجئ بصفاتي، وإذا فنيت عن ذاتك أبقيت ببقاء ذاتي: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ} وهي الصفات الأربعة التي تولدت من العناصر الأربعة التي تخمرت طينة الإنسان منها، وهي التراب والماء والنار والهوى، فتولدت من أزواج كل عنصر مع قرينه صفتان منها، وهي التراب وقرينه وهو الماء تولد الحرص والبخل، ومن النار وقرينه، وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، وهو قرينان يوجدان معًا، ولكن واحد من هذه الصفة زوج خلق منها ليسكن إليها كحواء وآدم.

وتتولد منها صفات أخرى فالحرص زوجة الحسد، والبخل زوجة الحقد، والغضب زوجة الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمشوقة بين الصفات، فيتعلق بها كل صفة ولها منها متولدات يطول شرحها، فهي الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم التي لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم يعني: من الخلق، فمن كان الغالب عليه صفة منها، فيدخل النار بذلك الباب فافهم جدًّا.

فأمر الله تعالى خليله عليه السلام بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة: طاووس البخل، فلو لم يزن المال في نظر البخيل كما يزين الطاووس بألوانه ما بخل به، وغراب الحرص، وهو من حرصه يكثر في الطلب، وديك الشهوة وهو بها معروف، ونسر الغضب ونسبته إليه لتصريفه في الطيران فوق الطيور وهذه صفة الغضب، فلما ذبح الخليل عليه السلام بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار، فلما ألقي فيها بالمنجنيق قهرًا ووقرًا صارت عليه {بَرْدًا وَسَلَامًا} [إبراهيم: 69] ، تفهم إن شاء الله تعالى وحده.

والإشارة في تقطيعهن بالمالغة ونتف ريشها، وتفريق أجزائها، وتلخيط ريشها ودمائها ولحومها بعضها ببعض، إشارة إلى: محو آثار الصفات الأربعة المذكورة، وهدم قواعدها على يد إبراهيم الروح بأمر الشرع ونائب الحق وهو الشيخ، والأمر بتقسيم أجزائها وجعلها {عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} [البقرة: 260] ، فالجبال الأربعة هي النفوس التي جُبل الإنسان عليها:

أولها: النفس النامية وتسمى النفس النباتية.

وثانيها: النفس الأمارة وتسمى الروح الحيواني.

وثالثها: قوة الشيطنة وتسمى الروح الطبيعي.

ورابعها: قوة الملكية وهو الروح الإنساني.

وطيور الصفات لما ذُبحت وقُطعت وخُلطت أجزاء بعضها ببعض، ووضعت على كل جبال روح ونفس منهما جزءًا بأمر الشرع، يكون بمثابة أشجار وزرع يجعل عليها اقتراب المخلوط بالزبل والقاذورات، باستصواب دهقان ذي بصارة في الدهقنة بمقدار معلوم ووقت معلوم، ثم يسقيها بالماء ليتقوى الزرع بقوة التراب والزبل، وتتصرف النفس النامية النباتية في التراب المخلوط الميتة فيحيها بإذن الله تعالى بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت