فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 1648

بأن اليد العليا هي: يد الفقير: والسفلى يد الغني؛ لأن الفقير يأخذ منه الدنيا وهي السفلى، ويعطيه الآخرة وهي العليا، فاليد العليا تكون يد الفقير، واليد السفلى يد الغني التي تعطي السفلى وتاخذ العليا، والأذى هو الإقبال على الباطل؛ لأننا فسرنا في آية أخرى أن الأذى هو طلب غير الحق عن الحق، فعلى هذا المعنى طلب غير الله هو الإقبال على الباطل، لأن كل شيء غير الحق فهو باطل، لقوله صلى الله عليه وسلم:"أن أصدق كلمة قالها العرب: كل شيء ما خلا الله باطل"فمن عمل عملًا لله ثم يشويه بغرض في الدارين، فقط أبطل عمله بأن يكون لله تعالى، فافهم جدًّا.

كما ضرب الله به مثلًا قال: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} [البقرة: 264] ؛ يعني: الذي يبطل صدقته بالمن والأذى؛ هو كالذي ينفق ماله رثاء الناس، ومن ينفق المال رثاء الناس فليس له إيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن اليسير من الرياء شرك، والمشرك لا يكون مؤمنًا؛ لأنه لو كان مؤمنًا بالله كان ينفق لله، ولو كان مؤمنًا للآخرة ينفق للآخرة فلما أنفق لأجل الدنيا وطلب الرفعة فيها وهي فانية عنها، إنه لو كان مؤمنًا لم يخير الفاني على الباقي، فمثل عمر المرء {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} [البقرة: 264] ، الطرد على تراب عمله فأبطله كما يبطل الوابل على الصفوان {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} [البقرة: 264] ؛ أي: بلا عمل، فكما أن المرء لا يؤمن بالله واليوم الآخر حقيقة حين يعمل عمل الآخرة ويشوبه بغرض دنيوي، فكذلك من عمل عملًا لله تعالى ثم يشوبه بغرض أخروي، فإنه يؤمن بالآخرة، ولكن في الحقيقة لا يؤمن بالله، فبوابل درأنا أعني الشركاء عن الشرك يبطل ثواب عمله على صفوان حسبانه، {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} [البقرة: 264] ، مفلسًا خائبًا خاسرًا، {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} [البقرة: 264] ، بالشرك في طلب غير الحق {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي} [البقرة: 264] ، إلى حضرة جلاله {الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] ، قومًا كفروا بنعمة شهود جماله فحرموا من دولة وصاله، وأقربوا بعذاب الفِراق ووباله.

ثم أخبر عن طلب المتحصلين في الإنفاق والعمل الخالص من النفاق بقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 265] ، فحسب لا ينبغي معها من الله ما هو سواه من أمر الدنيا والآخرة، {وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 265] ، وتخليصًا لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من حظوظ أنفسهم، {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ} [البقرة: 265] ، الوارد فظل إلهامات {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة: 265] ؛ يعني: ثمرات الخلاصة في طلب الحق ومرضاته تكون ضعفين بالنسبة إلى من ينفق ويعمل الخيرات والطاعات؛ لأجل الثواب الأخروي، ورفعه الدرجات في الجنان، فإن حظه ويكون من نعيم الجنة، فحسب المخلص في طلب الحق يكون له ضعف من قربة الحق ودولة الوصال، وشهود ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ضعف من نعيم الجنة أوفى وأوفر من ضعف طلب الجنة ونعيمها بأضعاف مضاعفة بالتبعية، فإن الله تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيبًا من الدنيا بالتبعية، ولا يعطي لأهل الآخرة ما لأهل الله من القربة والوصلة بالتبعية؛ فلهذا ثمرات أهل الله تكون ضعفين، ولأهل الآخرة ضعفًا واحدًا، وأما معنى آخر {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} [البقرة: 265] ، في الدنيا ضعف، من ثمرات الكشوف والمشاهدات وأنواع الكرامات، أثمرتها جنة قلب المخصلين من {وَابِلٌ} [البقرة: 265] ، الواردات والنظريات الإلهية، أو {فَطَلٌّ} [البقرة: 265] ، الجذبات والإلهامات الربانية، {اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265] ، كيف تعلمون؟ ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء الحياة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت