فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 1648

ثم أخبر عن أهل الصدقات ودلنا على أفضل النفقات، بقوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] ، الآيتين، والإشارة فيهما: أن الإنفاق على سادات اختاروا الفقر على الغنى؛ محبة لله عز وجل واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرفته، فإنه صلى الله عليه وسلم يقول:"ليَّ حرفتان: الفقر والجهاد"وأولى وهم أحق بها، كما قال تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] ؛ يعني: الفقير أحصره حب الله في طلبه، لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الرزق، بل أحصرهم الشوق والمحبة في سبيل الله فأخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق فلا لهم في الشرق مذهب ولا الغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب كيفما نظروا سرادقات التوحيد محدقة بهم، كما قيل:

كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها ... عليه فما تزداد طولًا ولا عرضًا

{لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 273] ؛ لأنهم واقفون مع الله لله بالله، سقط عنهم السكون والحركات، فإنهم مجذبون عنهم بالجذبات، مضروب عليهم قباب الغيرات، لا إشراف للأجانب عليهم، ولا سبيل للأغيار إليهم، حجبهم العزة عن الجاهل بحجاب العفة، فيراهم الأغنياء بنظر الأغنياء، {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] ؛ لأنهم مستورون قباب الغيرة، محجوبون عن معرفة أهل الغيرة، كما قال تعالى:"أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد".

{تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273] ؛ لأنك لست بك فلست غيري؛ لأنك إذا رأيت ولكن الله رأى، كما قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّْ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] ، وإنَّ سيماهم لا ترى بالبصر الإنساني بل ترى بالنور الرباني؛ لأن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، وأحوال باطنهم أنهم أحصروا في سبيل الله، فأحصروا نفوسهم على طاعة الله عن معصية قلوبهم على معرفة الله عن نكرته، وأرواحهم على محبة الله عن غيره، وأسرارهم على رؤية الله عن شهود سواه، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، {لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] ، لا بقليل ولا بكثير مع غاية احتياجهم؛ لأن إيتاء أنوار غناء قلوبهم انعكست على ظواهرهم، فتنورت بتعفف نفوسهم واضمحلت ظلمة فقرهم، وحاجتهم تحت أنوار غني قلوبهم، {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 273] ؛ يعني: من كل معاملة فيها خير المال والجاه، وخدمة بالنفس وإعزاز وإكرام وإعظام وارد من القلب تعاملون به هؤلاء، والسادة حتى السلام عليهم استحقاقًا وإجلالًا وإذلالًا، {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ} [البقرة: 273] ، بجميع معاملاتكم معهم للتقرب إليهم، {عَلِيمٌ} [البقرة: 273] ، فإن تقربتم إليه في الإنفاق عليهم بشبر يتقرب في مجازاتكم بذراع، وإن تقربتم بذارع يتقرب عليكم بباع، فلا نهاية لفضله ولا غاية لكرمه، ومن يسماهم في الظاهر تعرفهم به يا محمد إذا وجدوا مالًا، يبعيوا عز الفقر به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت