وقال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ؛ يعني: كيف يكون ما أحل الله وأزال الأمر ظلمته إفراط الحرص منه، مثل ما حرم الله وزاد في ظلمة الحرص الذي فيه عصيان الأمر، فمن ارتكبه بالربا يكون في ظلمات ثلاثة {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} [النور: 40] ، ظلمة الحرص، وظلمة الدنيا، وظلمة المعصية، {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ} البقرة: 275]، بالقرآن والأخبار وإلهام الحق {فَانْتَهَى} [البقرة: 275] ، يتوب إلى الله ويرجع من الربا، {فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275] ، من المعصية فتجاوز عنه الحق.
{وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 275] ، بأن يرزقه بدل الربا من حيث لا يحتسب {وَمَنْ عَادَ} [البقرة: 275] ، إلى شؤم فعاله ومذموم خصاله، وأعرض عن الحق ومقاله، واستحل ما حرمه وأقبل على ما احترمه، {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] ، فلينتظروا وشيك الاستئصال، وفجأة النكال {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} [البقرة: 276] ، إذا أسرع فيه بمتابعة الهوى، {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276] والبركات؛ لأنها معروفة بالخيرات على وفق المأمورات، {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ} [البقرة: 276] ، بنعمة الشرع وأنواره، {أَثِيمٍ} [البقرة: 276] ، عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره.
ثم أخبر عن العالمين بالشرع والخارجين عن الطبع بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277] ، {آمَنُواْ} [البقرة: 277] ، إيمان التصديق بالتخفيف مقرونًا بالتوفيق، {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 277] ، خرجوا بقدم العبودية على وفق الربوبية من ظلمات الطبع إلى أنوار أركان الشرع، فكان من خصائص ظلمات الطبع البشري، إتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، فخرجوا عن ظلمة إتباع الهوى بإقامة الصلاة واقتراب المولى، {وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ} [البقرة: 277] ، فاستغرقوا بنور الحضور وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة والفطام عن المألوفات، {وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ} [البقرة: 277] ، فجذبتهم العناية عند سفل عندية البشرية إلى ذروة عندية الربوبية، {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 277] ، من الرجوع إلى الظلمات الطبيعة، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277] ، بعد الخروج إلى أنوار الشريعة.