فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 1648

{بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] ، وتصرفات النبوة ظاهرًا وباطنًا {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20] ، من يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيجد له في الضلالة.

ثم أخبر عن غاية جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] ، الإِشارة في الآيتين: إن القلب الإنسان في إبطال استعداد قبول فيض الحق مراتب منها: بالحجبة من الفيض، فإذا زال الحجاب رجع إلى صفاته؛ وهو المعاصي يحجب القلب عن الفيض: كالسحاب تحجب الأرض عن فيض الشمس، فإذا أزال السحاب رجع الفيض، كذلك إذا زال الحجاب المعاصي عن القلب بالتوبة، رجع إليه فيض الحق، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، ومنها: ما يزيل صفاء القلب فيخرجه عن قبول الفيض: كالصداء مع المراتب؛ وهو: الكفر والشرك، فيحتاج في إزالة صداع الكفر إلى مصقل كلمة التوحيد، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله"، وقال صلى الله عليه وسلم:"الإسلام يمحو ما قبله"، ومنها: ما يحتل بالاستعداد الأصلي في قبول الفيض ويوجب الحرمان: كالمرآت المنقطعة بطل استعدادها في قبول العكس، إلا أن يطيع مرة أخرى ويضع كما كانا، فكذلك القلب إذا أبطل استعداده لا يقبل الفيض إلا أت تداركه العناية الأزلية سابق المشيئة؛ وهو {النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ} [الإسراء: 33] ، كما قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] ، فقتل النفس بغير الحق وإن كان عظيمًا عند الله، والقاتل كما أبطل بنيان شخص المقتول وهدمه فقد أبطل استعداد الكمالية عن نفسه، ولكنه قابل ليتدارك بمشيئة الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] ، قال:"إن جازاه"؛ يعني: جزاؤه الخلود إن شاء أن يجازيه فيخرجه، ومنها: ما يبطل الاستعداد الأصلي بالكلية فلا يقبل التدارك بمشيئته كما حكم في الأزل، {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 23] ، وهو قتل الأنبياء - عليهم السلام - كما قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [آل عمران: 22] ؛ أي: كل عمل روحاني حصل منهم في الباطل على وجه الاستكمال، {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 22] ؛ يعني: ليس من سنة الله أن ينصر من أبطل استعداده بالكلية بمثل هذا المعاملات في الدنيا والآخرة، في أصل الأمر إذ الإنسان خلق مستعدًا؛ لقبول فيض أحدى الصفتين، إنما يكون بمعاملات الظاهر والباطن على وفق متابعة الأنبياء في قبول فيض اللطف بأن يغذي نفسه في متابعة الأنبياء؛ ليكون من خير البرية، ونقصان في قبول فيض القهر بأن يقتل الأنبياء؛ ليكون شر البرية، ولهذا الاختصاص في قبول كمال القهر، أن لا يقبل توبة في الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يرجى لإبليس النجاة ولا يرجى له أبد الآبدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت