فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 1648

والثالثة: محبة أخص الخواص؛ وهي غاية القصوى للعبد ولا غاية لها، وهي محبة حافظة تقطع العبارة وترفق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت، وهذا بخلاف المحبين الأولين إذ ليست هذه منشأة عن رؤية النعم والإحسان التي من باب الأفعال، ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال؛ بل جذبة من جذبات الحق المنشأة من المحبة القديمة في سر"كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف"، وأهل هذه المحبة هم: المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] ، وقد سمي الله تعالى محبته لهم في الأزل بلا علة بالحسنى منه في حقهم، وقال مخبرًا عن محبته الأزلية لهم: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، إشارة منهم إلى: إنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أزلًا، فمحبتهم له لمحبته لهم، وذلك أن محبته لهم في الأزل من غير علة، فلما استخرجهم من ظهر آدم تجلت محبته على قلوبهم، فجذبتها عنهم إليه وأفنتهم عن أنفسهم، فدخلوا الدنيا على ترك الصفة.

قال بعضهم: غُذِينَا بالمحبة يوم قالت له الدنيا: {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] .

وحقيقة المحبة: أن تفني المحب بسطوتها وتبقي المحبة منه بلا هو، كما أن النار تنقي الحطب بسطوتها وتبقى النار بلا هو، فإن المحبة نار {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} [المدثر: 28] ، وأما درجات محبة الله للعبد؛ فاعلم: أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها، وإن اتفقت في أسماء صفات خلقه فلا يشبه حقيقتها أوصاف الخلق البتة، حتى الوجود الذي يعم الخلق والمخلوق جميعًا وذلك؛ لأن الوجود الخلق عن عدم ووجود الخالق واجب لنفسه، ووجود كل ما سواه [مستمد] منه، ومن وفق النظر على أن ليس في الكون إلا الله وأفعاله حسنة وكأنه ليس في الوجود شيء ثابت إلا هو وحده، قرأ القارئ بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير - رحمه الله - قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، فقال: بحق يحبهم؛ لأنه لا يحب إلا نفسه؛ على معنى أن ليس في الكون إلا هو وما سواه فهو من صنعه، والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه فإذًا لا تتجاوز المحبة نفسه قائمة بنفسها، وما سواه قائم به فهو لا يحب إلا نفسه، فإذا عرفت هذا فاعلم أن محبة الله تعالى للخلق عائدة إليه حقيقة، إلا أنه كان قمرها على الخلق فيجب تعلقها بالعام والخاص، وأخضر أنبت لكل صنف منهم سعادة يخطى بها عند مرورها عليه، إلا أن تنتهي إلى محلها الذي صدرت منه، فيكون المحبة والمحب والمحبوب، واحدًا فصدرت المحبة عن محل"كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أعرف فمررت على فخلقت الخلق؛ لأعرف"، فما تعلقت إلا بأهل المعرفة؛ وهم المخصوصون بالأنعام، كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت